تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قبل أن نصدر حكما مرتجلا أو غير نزيه، يجب أن نراجع إحساساتنا الشعبية تجاه مفهوم «الوطنية الضيقة» بمعناها الغربي المحدود، و «القومية العربي» بمعناها الشرقي المتسع.

فالشعب المغربي لم يعرف «الوطنية الضيقة» في حياته منذ عرف الإسلام وآمن به دينا، ولئن كانت صعوبة المواصلات بين المشرق والمغرب يومئذ، قد جعلت منه وحدة سياسية قائمة بذاتها، فإنه ظل يعتبر نفسه امتدادا لوحدة كبرى، هي وحدة الأمة الإسلامية، وليست حدوده الإقليمية الأرضية في نظره إلا حدودا سياسية، تتسع في عصور ازدهاره فتشمل الأندلس شمالا، والصحراء والسوداء جنوبا، وإفريقية الشمالية شرقا، ثم تضيق في عصور انحطاطه وتنكمش، ثم تزداد ضيقا يتسلط الاستعمار على مدنه وشواطئه وصحرائه الخاصة، وإلحاقها بأراضيه الوطنية فيما وراء البحار غصبا وغلابا. فالحدود الأرضية بالنسبة للشعب المغربي ليست سوى مصطلحات جغرافية تخضع للمد والجزر تبعا لقوة الدولة وضعفها، ولكن الشعور بالامتداد الحضاري والديني واللغوي والتاريخي للشعب شعور قاهر لا يغلب، ولا تمكن السيطرة عليه، ولذلك ظل يعتبر الجزائر مثلا بلدا شقيقا، جزءا من المغرب العربي، وشعبها شعبا عربيا إسلاميا، جزءا من المغرب العربي، وشعبها شعبا عربيا إسلاميا، رغم قرن وربع من الاحتلال والفرنسية. و نفس هذا الشعور تجده تجاه البلدان العربية والإسلامية الأخرى. فالمغربي يحب وطنه الصغير باعتبار أنه وطن أسرته الإقليمية، ولكن حبه وغيرته يمتدان في قوة وانطلاق، ليشملا كل وطن عربي أو إسلامي، لأنه وطن أسرته القومية أو الدينية.

وليس لـ «الوطنية» في إحساس المغربي الأجنبي، لا في الوطن الصغير فقط، بل في أي جزء من أجزاء الوطن الكبير، ولذلك تجده مستعدا لأن يقاتل مع إخوانه في الجزائر مثلا، بنفس الشعور والإيمان والإخلاص التي تدفعه لمناهضة الاستعمار في المغرب، ومن غير أن ينتظر نفعا أو جزاء إلا من الله، لأنه يعتبر نفسه «مجاهدا» يدافع عن حق من حقوق الله في الأرض، هو حق أخيه المسلم في الحياة الحرة الكريمة. ولذلك كانت كلمة ­ «وطني» ترادف كلمة «مقاوم» والفرق الوحيد بين مدلولهما هو أن مقاومة الأول سياسية، بينما مقاومة الثاني مسلحة، فمن لم يصنف بهذه المقاومة لا يعتبر وطنيا ولو كان مواطنا.

وبخلاف ذلك، فإن مدلول «الوطنية» في الاصطلاح الغربي لا يقوم على اعتبارات إنسانية، أو قيم خلقية أو روحية، ولا يتجاوز الحدود الجغرافية الأرضية للدولة الواحدة. فالفرنسي مثلا ينتهي شعوره الوطني حيث تنتهي حدود بلاده، ولا يفكر في الدفاع عن أي بلد آخر ـ ولو كان مسيحيا ـ إلا بقدر ما يكون هذا الدفاع ضروريا لحماية وطنه هو، وحماية مصالحه الخاصة، بل هد يستبيح لنفسه ولحكومته ـ بدافع الأنانية وباسم المصلحة ـ الاعتداء على الشعوب الأخرى، وسلب خيراتها، لتوفير السعادة والنعيم لوطنه وحده، ولا شيء معه!

لسنا إذن من أنصار «الوطنية الضيقة» كما هي مدلولها الغربي لحسن الحظ، وإنما نؤمن بوطنية روحية لا مادية، قومية لا أرضية، إنسانية لا سلالية ولا عنصرية، تعترف بالأخوة الإسلامية والوحدة العربية كرابطتين قويتين تعملان لدعم الحرية والسلام، في رقعة كبيرة من العالم، ومقاومة الاستعمار والظلم والاستبعاد حيثما كان فوق ظهر الأرض، والسعي لخير الإنسانية وسعادتها وتقدمها.

بقي أم نراجع إحساساتنا الشعبية الدفينة تجاه مفهوم «القومية العربية» طبق تفسيرها الشرقي الحديث.

إن رجل الشارع وابن البادية لم يكن واحد منهما يدرك في الواقع ماذا تعني فكرة «لقومية العربية» وإذا كان الاستعمال هو الذي يحدد معاني الكلمات ومدلولها اللغوي، فإن كلمة «عربي» تعني عنده «مسلم» وكذلك العكس.

فالكلمتان مترادفتان تقريبا بالنسبة إليه، لأنه قلما كان يتاح للمغربي أن يرى مدلول أحدهما يتفصل عن مدلول الآخر، فهو لم يكن يتصور أن هناك عربيا غير مسلم (1)، كما أنه كان يتخيل أن كل مسلم

(1) يمكن أن تلمس هذه الحقيقة لو أتيح لك أن تقدم عربيا مسيحيا من الشرق لمغاربة ثم تقول عنه أنه نصراني، فستجدهم حينذاك أمام لغز معقد، وأول ما يتبادر إلى ذهنهم أنه كان مسلما ثم تنصر.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٤٠