تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.2، ع5 /فبراير 1959 ................... ص 26

المغرب الحائر بين الوطنية والقومية

بقلم: إدريس الكتاني

كانت فكرة الوطنية الضيقة من بين الأفكار التي حملها الاستعمار الغربي معه إلى الشعوب العالم العربي التي وقعت تحت رحمته منذ مطلع هذا القرن. وكان شعار الوطنيين العرب يومئذ يقوم على هذا الوزن «مصر للمصريين» «العراق للعراقيين» «سوريا للسوريين» وهكذا. واستيقظ العرب بعد ذلك ليكتشفوا أنهم بهذه الوطنيات الإقليمية المستوردة من الغرب، وإنما يمزقون وحدة وطنهم الكبير ليظل نهبا للاستعمار يجعل من دويلاته المصطنعة مناطق نفوذ لسيادته الدائمة، ويعيدون بشكل آخر، مآسي ملوك الطوائف التي انتهت بالقضاء على دويلاتهم الإقليمية، وعلى الإسلام معها في إسبانيا الإسلامية كلها.

وانطلقت الثورة العربية. وانطلقت في كل مكان في العالم العربي، لتقيم أساسا جديدا للقومية الفسيحة الأفاق، مكان الوطنيات الإقليمية الضيقة. وأخذت هذه الوطنيات في الانكماش والزوال ليحل الشعور القومي محلها. فالسوري مثلا أصبح يحس بأنه عربي أولا، وسوري ثانيا، وأن له أخوة وأبناء أعمام في مصر والعراق والجزائر وشنقيط والسودان واليمن وسائر البلاد العربية ليسوا سوريي الجنسية ـ لأن سوريا لم تكن لتسعهم جميعا ـ ولكنهم مع ذلك عرب، فهو إذن لم يكن سوريا بالذات إلا عن طريق الصدفة، إذ لو ولد في المغرب لكان مغربيا، وبخلاف ذلك عروبته، فهي لا تتغير بتغير المكان، إذ لو ولد في أمريكا لظل عربيا ولو كان يحمل الجنسية الأمريكية. وهكذا استطاع الشعور القومي العربي أن يكتسح الوطنية الضيقة لأنه يقوم على حقيقتين:

1) كل شعب عربي إنما هو جزء من الأمة العربية الكبرى.

2) كل بلاد عربية إنما هي جزء من الوطن العربي الكبير.

والواقع أن تكتيل الشعور الوطني داخل إطار «القومية العربية» كان مرحلة طبيعية لتطور الفكر العربي الذي أخذ بدوره يصارع أمواجا من الأفكار الغربية، بدأت تهاجم البلاد العربية من جديد، لتحل محل الجيوش الاستعمارية المنسجمة.

ترى، ما هي المرحلة التي نجتازها نحن اليوم، في المغرب المستقل؟

إننا لم نتغن بأن «المغرب للمغاربة» على وزن «لبنان للبنانيين» لأن وعينا الوطني، وتطورنا السياسي جعلنا ندرك أن هذه الوطنية الإقليمية الضيقة فات أوانها، ولن نجني من ورائها ـ لو تمسكنا بها ـ إلا ضرب حصار على بلادنا تظل معه منطقة نفوذ للقوات الاستعمارية، ورغم أننا لم نستكمل بعد أسباب استقلالنا السياسي والاقتصادي، فقد نادينا بوحدة أقطار المغرب العربي، ونحن نسعى مخلصين لتحقيقها، وانخرطنا في الجامعة العربية. فلسنا إذن ممن يؤمنون بالوطنية الضيقة. ومع ذلك فهل يمكن القول بأننا ننهج سياسية «عربية قومية» أو أننا نتحمس لمثل هذه السياسة؟

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٣٩