تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا ما رأيت الجموع المتعددة والحشود المختلفة التي أتت من كل فج عميق ونسلت من كل حدب عاقدة قلبهاعلى أمر ربها هاتفة باسمه خاضعة لجلاله مستجيبة لندائه، تنتزع ملابسها الرسمية وتتردى برداء الحج وتلبس لباس التقوى وتمتنع من المناكح والروائح والقوادح وتنزل إلى أم القرى قاصدة البيت العتيق فنحف به في الأوقات تطوف حواليه وتسعى بجانبه وتصلي إلى قبلته ثم تتوجه في وقت معين خاص إلى مقام عرفات ومنها إلى نحر البوالك وحلق القوادم ورمي الجموات هدفها واحد وشعارها واحد تسأل التوبة والإنابة، وتجتنب الإذاية والنكاية، فلا يتشاكسون ولا يتخاصمون ولا يتعايرون ولا يتعايبون، وإنما هي الأخوة الناطقة والقوة الصامتة والاجتماع الظاهر والسلام الدائم، ولا يبالون برغبات العيش ولا بلفحات الشمس ولا بما يقلون من الوعثاء واللأواء بل افكارهم انصرفت عن حياة المادة ودنيا الفناء وتوجهت إلى الملا الأعلى والدار الآخرة لا تبغي إلا الرحمة والمغفرة ولا تريد إلا رضي الله وسعادة الأبد، فاذا ما لاحظت ذلك بعقلك وتحركت فيه بفكرك استيقنت أن الوحدة والسلام من شعار الإسلام، وإنهما تخللا جميع شرائعه وتتمثلا في كافة مظاهره، وعرفت أن ما ينادي به منبر المنظمة الأممية من المحافظة على الأمن والسلم قد نادى بهما الاسلام من فرون بعيدة في أقواله وأعماله، وفي كل حقيقة من حقائقه.

وبذلك يكون الإسلام أول من ساهم في السلام العالمي، ولو أن قادة العالم يفكرون في أوضاع الإسلام الكبرى وأنظمته العليا، تفكيرا نزيها وبريئا، ولو شاهدوا هذه الجنود المجندة في صعيد واحد يدعون ربهم ويستنزلون رحمته ويستجلبون هدايته ويستشعرون خشيته في هدوء تام وخشوع عام من دون مسابقة في أمر الدنيا، لآمنوا بعمق نظر الإسلام والتآخي يتمثلان خير تمثيل في موسم الحج السنوي، ولرجعوا إلى أنفسهم فاقلعوا عن تطاحنهم وتأخروا عن تنافسهم في تدمير الكون وتهديد السلم وترعيب الخلق والله سبحانه يدعو كافة العباد إلى الرحمة والمحبة وإلى التوحيد والطاعة.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٢٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٢٥