تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الحضارة، ولا يخالف شعار الحق والعدالة، كما يجعلها بمفازة عن الاستعمار على اختلاف أشكاله وأنواعه، وبمعزل من تحكم لغاته وعوائده.

ومن الجدير بالذكر أنه قد آن الخلاص، وجاء دور التحرر، وهذا الدور أتى به انتشار الوعي القومي وعموم الشعور والتطور العالمي، ولا جرم أن ذلك هو سبيل الخلاص في كل أمة استبعدت على وجه الأرض، فما دامت الأمة راضية بما يفرض عليها. وبما يطلب منها، فهي لا شك ترزح تحت سياط الظلم والعدوان، وإذا استيقظت من سباتها وعمها الشعور بحقها في الحياة على حدودها الطبيعية والتاريخية فلا محالة تتخلص من الذين يسطون بها ويسيطرون عليها. ولا راحة لشعوب إفريقيا الشمالية وحتى بعض شعوب الشرق إلا إذا تحررت كل أجزائها، وتقلص ظل الاستعمار من جميع أرضيها. فمعركة الجزائر هي معركة الشعوب المحبة للحرية على العموم، ومعركة المغرب وتونس على الخصوص لأنهما يتعرضان للشر مباشرةـ ودليل ذلك بقاء الاستعمار وأيضا في أرضهما، ممانعا في الجلاء التام عنهما، رغم الاعتراف باستقلالهما، ورغم تكرر احتجاجهما، وما بدأ من اتحاد هذه الأجزاء، والتعاون المتين المفيد بينها في سائر ميادين الحياة، مما يقوي مركزها، ويشد أزرها، ويجعلها في منعة وحماية من الأحلام الشيطانية والحركات الجنونية، وإذا كانت شعوب الغرب وهي أقوى وأمنع تبحث عن وسائل الاتحاد، فكيف لا ننشد الاتحاد، ونحن أضعف منها، وأكثر عرضة للخطر، وقد كلنا مرتبطين سياسيا، واقتصاديا وثقافيا، ـ وما بالعهد من قدم ـ وحياة التعارف والتعاون وهي الحياة المأمور بها الإسلام، والمعتد بها عند أرقى الأمم، ولاسيما الذين تتأكد بينهم القرابة وتربطهم الروابط، وتجمعهم الخصائص، وعسى أن يأتي يوم يجتمع فيه المسلمون والعرب، على كلمة واحدة، ويسيرون في عظم الطريق بخطى متساوية الأمر الذي يحفظ حرمتهم، ويعزز جانبهم ويبعث تاريخهم.

ولئن كانت هناك وسيلة إيجابية للقضاء على السمسرة الأجنبية، التي الفتهم، والسياسة الاستغلالية التي لزمتهم، فهي الاتحاد الكامل الشامل في الداخل والخارج، إلا انه من الطبيعي أن يدخل هذا الاتحاد في طور العمل شيئا فشيئا، ويبتديء مشروعه تدريجيا إلى أن يتناهى بأذن الله كليا واجتماعيا، إذ ليس من السهل اصطلاح الشعوب، واستصلاح القلوب، في أمد غير بعيد، مع طول اليد الأجنبية، التي ما زالت تكيد في ظلال الليل، وبياض النهار، وتعمل لإعادة نفوذها، وضمان استمرارها، مع ما تأتيه من التضليل والتدجيل والمغالطة.

ومما ينصر هذا الإتحاد المرقوب، ويعقد راية هذه القوة المنتظرة، أن جلالة محمد الخامس الواثق بالعروبة والإسلام، وثوقا عميقا، يؤمن بهذه القوة النائمة، ويعمل للتعجيل بنهضتها والإسراع بقومتها، بما يملكه من رياسة وسياسة، ويتمتع به من ثقة وأمانة، وكيف لا وجلالته خالص النسب، كريم المركب، صادق في وطنيته وأمانته، شديد الإيمان بعقيدته، وهو يوحي بالإتحاد، ويدعو إلى التوطيء بأحكام الوسائل، وتخسير الأسباب للوصول إلى هذا الغرض الأكيد، والهدف المطلوب، وأحسن الطرق المستعجلة توحيد الثقافة واتجاهها اتجاها واحدا، وتبادل البعثات والنشرات، والكتب والصحف والمحاضرات، وإقرار التعاون في سائر ميادين التعليم، وتشجيع هيئة المهاجرين، وتوسيع دائرة المعلمين والفنيين، وذلك من أهم ما تجب مراعاته والمحافظة عليه وتنمية وسائله وإعداد برامجه.

وربما يكون من الخلس الحميدة والفرض المناسبة التي تهتبل لدراسة موضوع الإتحاد واستخلاص فوائده وإبراز خطوطه ومراميه بوجه أعم، موسم الحج الأكبر الذي شرعه الله لمصالح المسلمين دينا ودنيا، وأخصها بإطلاق، حفظ كيانهم والدفاع عن وجودهم واسترجاع سيادتهم كأمة لها رسالة سامية، وحضارة مشهودة تعمل لسعادة البشر وتساهم في حضارة الإنسان بمواهبها الفكرية ومواردها الطبيعية وتاريخها الممدود.

وإذا ما شاءت حكومة المملكة السعودية أن تسهل أمر هذا المؤتمر وتسهر على نظامه ونجاحه والتفاهم بين أعضائه، فإنها تكون قد أسدت للمسلمين والعرب خيرا كثيرا وقامت بمجهود عظيم تنال به رضى الله ورضى عباده ورضوان من الله أكبر ذلك الفوز العظيم.

ثم في الحج الذي هو دعامة من الدعائم الأولى لحركة الإسلام عظات ونصائح تدعو إلى التدبير والتصبر وتحمل على النظر والاعتبار، ومن تلك العظات الإخوة والوحدة والسلام وتلك من المبادئ الأساسية في الدعوة الإسلامية، ومن التعاليم الممثلة في أعمال الحج باستمرار.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٢٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٢٤