تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ارتباط القلوب، واجتماع الصفوف، ووفرة الأنصار، ومدى ما تبلغ إليه تلك القوة من الأهداف، وتحققه من النتائج.

ولا يتكيف العالم المسلم بهذه الكيفية الناجحة إلا بالأقدام على عمل ابتكاري، يطابق بين حاضر الإسلام الجديد وماضيه المجيد الخالد، وباعتماد الوسائل القوية التي شرحها الإسلام شرحا مفصلا وأوصى باعتبارها في الحياة ايصاء مؤكدا، على أنها قد جربت طويلا من الزمن، فآتت اناءها طيبا، وحققت تحولا في الأفكار، وتقدما في الأقطار. والتاريخ خير دليل، وأصدق شاهد، فلا تهمة ولا استرابة.

واعتبار هذه الرسائل ضروري لاتحاد المسلمين وجمع شتاتهم، وكفيل بقوتهم وتحررهم، ومن أول هذه الوسائل تبادل الاحترام، وتواصل الاجتماع، والمشاطرة في الأمل والألم، والمصارحة في القول والعمل وإلغاء التنابز بالألقاب، والتعاظم بالأموال والأنساب، مع التسامح والتغاضي، والتفاوض والتراضي، ومع القيام بما يبسط نفوذ الإسلام في الأرض، ويفتق أفكار أبنائه في مادة الحياة الجديدة، وبعدهم للبحث والمشاركة في بناء الحضارة القادمة.

وهذه القوة التي أومانا إليها وربطناها بما سبق آنفا أوجدها الإسلام منذ نشأته الأولى، إلا أن أصحابها قد تناسوها وتجاهلوها، وهناك عدة أسباب أدت إلى اغفالها واهمالها، لا موجب لذكرها في هذا المجال. ومع حاجتهم إلى القوة وبحثهم عن جهتها، لا يسعهم إلا أن يبعثوها من مرقدها، ويثيروها من مكمنها، الذي يوجد عندهم وبأيديهم، من دون أن يذهبوا هنا وهناك، ويقيموا من ذلك قوة جبارة تحترم نفسها، وتفرض سياستها.

ومن الواضح أن الإسلام عزيز منيع، لا يرضى أن يسير في ظلال الكفر، وضلال الشرك ولا يعيش تحت تأثيرهما ونفوذهما، كما أنه نظام عميق، بعيد الغور، عظيم الأثر، فلا يرى من العبادات الرسوم الظاهرة فحسب، بل يريد إلى ذلك قوة واجماعا، وعملا وابداعا، ونظاما وأحكاما، وعدلا وسلاما. والنظر إلى مقاصد الشريعة ومعاني الحياة، أمر لازم وحكم ثابت، والوقوف عند الطقوس والظواهر جهل وغرور واثم وزور. ولا تنسى ان الدعاية الإسلامية قد نسجت خيوطها، وحكيت خططها، في أوقات الحج، ثم تتابع أمرها إلى أن أصبحت قائمة منتصرة ودعائمها ثابتة مستحكمة، وسار سائرها في المشرقين، وسرى سرها في الخافقين.

وإذا ما عدنا إلى طبيعة الدعوة الإسلامية، وجدناها قد مزجت بين الروح والمادة، ووحدت روابطهم، ومتنت علائقهم، وأحكمت شؤون الحياة فيما بينهم وهيأتهم للعمل صفا واحدا، فأمة الإسلام في أساسها وطبيعتها أمة واحدة في أولها وآخرها وفي عقيدتها وشعورها، وفي طاعتها وعبادتها، وفي مجموع نظام حياتها.

وبينما نحن نراها بهذا الاعتبار متصلة مجتمعة، تراها في الوجود الخارجي منفصلة مفترقة، لا تتكافل كما هو التكافل في حقيقته ولا تجتمع كما هو التجمع في معناه الصحيح، ولا تكون كتلة لا تتغير على نفسها، ولا قوة لا تتأثر بغيرها مع اشتباك وارتباك أمرها، وهذا ما دعا إلى شيوع بدعة الاستعمار، التي بغت وطغت في الأرض وجعلت من القهر والغدر مبررا لوجودها ودخولها، ومبيحا لملكها وتصرفها، وان كان من القضايا المسلمة أن الغصب والعداء لا يملكان أبدا، وأنه لا يمكن أن تكون القوة سببا من أسباب الملك العادي ولا بابا من أبواب التصرف الشرعي، وبالرغم من هذا، ونظرا إلى التفكك الواقع، تهجم الاستعمار، وأقتحم سياسة الارهاق والادماج، وأعتمد برنامج التفرقة والتجزئة، وظاهر المستبدين والمفسدين وعبيد المال المنتفعين، وكان كلما توقع تقارب في جهة من الجهات، وأجلب بخيله ورجله، وأرجف بقوله وفعله وسار سيرا قسيا وسمعت له قصفا ودويا، ولو لقيت هذه السياسة التعسفية من أولى الأمر، وعظمات القوم، في نظام واجتماع معارضة قطعية، ومناهضة جدية، لسدوا الباب على من تشابهت مناكبهم ورؤوسهم، وتنفسوا الصعداء، واستراحوا من كيد وشماتة الأعداء، وكان هذا الضعف البادي في الشعوب المتأخرة أدبيا وماديا، هو السبب الأول في معاناة المشاكل القائمة، ومقاساة المآسي الحاضرة، التي تولدت عن طبيعة الاستعمار وسوء تصرفه.

والظن القوي أن التفاهم الودي السالم والتعاون الجدي الصادق بين البلدان التي تتقارب منافعها وتتشابه مشاكلها، وتتضامن أرواحها هو الدواء الناجع: والحل النافع، الذي يجعل هذه البلدان قادرة على إدارة مصالحها بيدها، وتدبير معاشها واقتصادها بنفسها، في شكل جديد يوافق شكل

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٢٣