دعوة الحق، س.2، ع5 /فبراير 1959 ................... ص 9
الحج مؤتمر إسلامي سنوي
للأستاذ: الرحالي الفاروقي
شاء الرب الكريم أن يكون كاتب هذه الحروف الوجيزة المتواضعة من بين الذين مازوا في هذه السنة يشرف القصد والإدارة، وفازوا بلذة النسك والعبادة في بلدة حرمها الله تعالى وجعلها مثابة للناس وأمنا وفي أول بيت وضع للناس بركة وهدى، ودعا إليه الطائفين والعاكفين والراكعين والساجدين فأمنت النفوس الطيعة واطمأنت القلوب اللينة وتسامت الروح الطيبة وأمسى الإحرام المعقود بالنية والتلبية، والطواف المواتر بأركان الكعبة، والسعي المترادف بجوانب الصفا والمروة، والحضور بعرفات والنزول بمنى والمزدلفة، واتخاذ الحذر إلى طواف الصدر، سنة المومنين وشرعة المتقين، ورغبة الناسك المتخشع وبغية السالك المتضرع، كما شخصت الأبصار، وأشرا بت الأعناق وهوت الأفئدة إلى موضع الهجرة ودار الأنصار للسلام على لباب مضر، وخلاصة البشر، صلوات الله عليه وسلامه، وللوقوف على آثار الإسلام ومواقع الشهداء ومشاهد العظماء.
أجل كانت الرحلة في جو السماء على متن طائرة ميمونة يمسكها الرحمن ويملأها الإيمان، وتترقبها السلامة، وتتقبلها السعادة، وكان السفر قاصدا، والعيش راضيا، والسلوك سلميا، والله بنا حفيا، والحجاج الأكارم مبتهجون برحلتهم، مغتبطون بوجهتهم، تبدو على ملامحهم الغبطة والنعمة، وعلى وجوههم السكينة والوقار، ولسانهم رطب بالثناء على خالقهم، طلق بالدعاء لمن ساهم في راحتهم، وحرص على مصلحتهم، يحدوهم الأمل ويدعوهم الشوق، ويندبهم الواجب إلى مقابلة مكة المكرمة، ومصافحة البيت المحرم.
وايم الله أن القرار بالبلد الحرام، والبيت الحرام ليستوجب شديد الاحتراس ومزيد الاحترام، ويستدعي كمال القصد، وصلاح القلب، وصفاء النفس، وإقامة رقيب عليها حتى لا تخطيء أو تبطيء في العمل، وتلتزم حدود الأدب، وتأخذ طريق الصواب فلا انانة ولا كبرياء، ولا فخر ولا رياء، ولا فحش ولا مراء، ولكنه الصفاء والنقاء والتقوى، والتطهر من أوثان المادة وأرجاس الدنيا، والله يحب المتطهرين، وإنما يقبل الله من المتقين.
فالحج أول التسكين، وأحد الجهادين، وفرض سنة من فروض العين، ومؤتمر يتداعي إليه المسلمون على اختلاق ألسنتهم وألوانهم وتباعد ديارهم وأوطانهم، وتباين جغرافيتهم وطبيعة أرضهم، لأداء مناسكهم وشعائرهم، وللتداول في شؤونهم ومصالحهم، وللتضامن فيما يقتضيه واقع الحياة في بلادهم، من عهدة ووحدة، وعدة ونصرة وذلك ما تخبو به نيران المعتدين، وتصفو به أجواء المسلمين، فينعمون سعداء بانتظارهم والتئامهم ويعيشون أحرارا في سوادهم وبياضهم.
لكنه يتراءى للناظر الممعن أن المسلمين لأخر الساعة لم ينتبهوا إلى استغلال قوة هذا المؤتمر الواعية، واستخدام طاقته الكبرى، في سياسة مصالحهم وتنمية اقتصادهم واستعراض مهامهم ومشاكلهم والتباحث فيها يلزم لتطور حياتهم، والتضافر على ما يلائم طبيعة ظروفهم. ويقتضي هذا أن ينظم المؤتمر أثر الفراغ من مراسم الحج تنظيما فنيا، كما يقضى بتكتل الجهود تكتلا واقعيا.
ولو أن العالم الإسلامي، استطاع أن يكشف عن القوة الكامنة بجنبه ويصرفها بنفسه، في تطور أسباب حياته، ويحملها إلى معرض السياسة في كفاح صحيح وإطار منين ثم يرفع صوته عاليا قويا، في مطالبه الشرعية، وقضاياه المستعصية، وفي نطاق الإتحاد الذي لا ينقسم والرباط والذي لا ينفصم، لهز العالم بصوته، وجعله يستمع إلى قوله، وفرض الحلول العاجلة على منظمته السياسية، واجتماعية الاستثنائية، فإن أول قوة تلحظ في الميدان الدولي، ويستقضي فيها الحساب هي قوة