تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

انظر في هذه الأحاديث الثلاثة: الخطاب فيها للأفراد الذين لا شك في كونهم قد بلغوا الذروة في حسن الإسلام وكماله، فما كان الأمر يقتصر على أنهم كانوا يعرفون تعاليم القرآن وقوانين الإسلام، بل كانوا، فوق هذا، يعلمون بما عملا تاما. فالذي بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لهؤلاء لا مجال لأن يخاف بينه الرسول صلى الله عليه وسلم لهؤلاء لا مجال لأن يخاف منه أنهم سيكتفون بالتوحيد ويعدون كل ما سواه عن عقائد الإسلام وحقوقه وواجباته شيئا لا يستحق الأهمية ولا حاجة إليه للإنسان في حياته، فلهذا اقتصر الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يبين لهم جوهر الإسلام وأساسه وهو الاعتقاد بالتوحيد وأن الغاية الحقيقية من بعثه الأنبياء أن يخرجوا الناس من ظلمات عبدوية غير الله إلى نور عبودية وحده وأن المدار لنجاة الإنسان وفلاحه في الدنيا والآخرة إنما هو في خروجه من عبودية غير الله إلى عبودية الله وحده، وأن من أدرك هذه الحقيقة وعلم أحسن العلم أن ليس في الدنيا شيء غير الله له نوع من الألوهية، وإن عليه أن لا يعبد ولا يستعين ولا يطيع إلا الله وحده، لأنه إذا فعل هذا، فلابد أن يتجنب في حياته الطرق المعوجة المتفرقة ولا يتبع إلا الصراط المستقيم، ويتحرى في أفكاره وأعماله الصدق والإخلاص ولا يلبث أن يقبله ويقبل عليه حيثما وجده وبتقي أنله ويؤدي ما أمره الله بأدائه من الحقوق ويقوم بكل مال جعله عليه من الواجبات.

لهذا فإن الاعتقاد بالتوحيد، هو الذي سيضمن له الصحة في الفكر والرأي والطهارة في الأخلاق والأعمال وإما أن يصدر عنه ـ بناء على ما هو مفطور عليه من الصعف والوهن ـ شيء من الذنوب والخطايا، فإن إيمانه بالله سيجبره على أن يتوب عنه ولا يصر عليه أبدا، لأن البقاء على الذنوب والإصرار على الفستق مما يتنافى مع الإيمان.

فهذا المفهوم للأحاديث المذكورة وما في معناها من الأحاديث الأخرى، هو الذي كان قد أدركه الصحابة رضي الله عنهم وهو مفهومها الصحيح. وما كان أحد منهم ظن، بناء على ما جاء فيها، إن الاعتقاد بالتوحيد هو الكافي للإنسان في نجاته ولا حاجة له بعده إلى الإيمان بالرسول أو الكاتب ولا أن يكون في حياته طاهر الأخلاق صالح الأعمال.

وبعد فكيف كان لهم أن يقعوا في هذا الوهم الخاطئ إذ كان واضحا لهم ما هو الإسلام وما فيه من أمور يجب الاعتقاد بها وعبادات يجب التزامها وحدود يحب حفظها والقيام عندها وقوانين يجب طاعتها وطرق يجب اجتنابها؟ ولأجل هذا، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبين هذه الحقيقة إلا للكاملين في إيمانهم الراسخين في عملهم من أصحابه، ونهاهم أن يبينوها لعامة المسلمين. لماذا؟ قد بين هذا أيضا بنفسه بقوله «إذن يتكلوا» في حديث معاذ بن جيل.

نعم قد تساور الإنسان الشبهة في حديث أبي هريرة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لعله أمره بتبليغها عامة المسلمين، بل فعلا قد ساورت هذه الشبهة عمر بن الخطاب، إلا أن الواقع أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أراد أن يبشر بدخول الجنة إلا الكاملين في إيمانهم الراسخين في عملهم من المسلمين. فلهذا لما أعرب عمر عن هذه الشبهة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورافقه على رأيه.

وكذلك من المحال أن يظن من حديث أبي ذو أن المراد يقول «لا إله إلا الله» إنما هو القول باللسان، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه قد بين في المناسبات الأخرى أن دخول أن دخول الإنسان في الجنة يحتاج إلى الإيمان الكامل بالتوحيد. فقد جاء في بعض الأحاديث قوله «مستيقنا بها قلبه» وفي بعضها قوله «مخلصا من قلبه» وفي بعضها قوله «غير شاك» وفي بعضها ألفاظ تدل على نفس هذا المعنى.

وعلى كل، فالواجب أن تعرف أحسن المعرفة أن الأحاديث جاء فيها ذكر أهمية التوحيد إنما التوحيد إنما الخطاب فيها في حقيقة الواقع للذين قد دخلوا في دائرة الإسلام بجميع ما تحمل كلمة «الإسلام» من الشروط والواجبات، وليس الخطاب فيها عاما حتى الذين لم يدخلوا في الإسلام. وبعد، فإنه ليس المراد بتبشير المسلمين بدخول الجنة إذا كانوا يعتقدون بالتوحيد، أن يعتقدوا أن الله واحد لا ثاني له ثم يقتحموا إلى أذقناهم في مال شاؤوا من أنواع لفسق والفجور والرذائل والمعاصي والبدع، بل المراد بهذا التبشير أن المواد لنجاة المسلم هو على صحة عقيدته بالتوحيد ورسوخها المسلم هو على صحة عقيدته بالتوحيد ورسوخها واستكمالها قبل كل شيء آخر، وانه إذا كانت عقيدته هذه فاسدة، لا ينفعه أي شيء آخر، وانه أذا كانت هذه العقيدة صحيحة قوية، فلابد أن ينال النجاة آخر الأمر. ومن هذه الجهة أم جميع الأحاديث في هذا المعنى تطابق مطابقة تامة الآية القرآنية التي قيل فيها «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون».

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٠٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٠٢١