لا يقول له أن الجنة تجب لكل كافر إذا قرأ بلسانه بالتوحيد والرسالة وأدى الفرائض، وكذلك لا يأمره بأن يخبر الناس جميعا بأجزاء الإيمان والقوانين العميلة كلها، لأنه إنما يقصد هنا أن يبين له ما هو الحد بين الإسلام وغير الإسلام وما هي الحقوق الدستورية التي ينالها الإنسان بمجرد دخوله في الإسلام. وهذا موافق بتمامه لما جاء في آية «فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم» فإذن لا يصح لأحد من الناس أن يستنتج من هذه التعليمات القانونية إن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما كان يرى الإسلام منحصرا في الاعتقاد بالتوحيد والرسالة وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وما كانت في نظره أهمية لأي شيء سوى هذه الأمور.
قد رأيت نوعين من الأحاديث: أحاديث يتوجه الخطاب فيها إلى أشخاص بعينهم على حساب حاجاتهم رحالاتهم المخصوصة. وأحاديث لا تتناول بالبحث أحوال الأشخاص بعينهم وإنما غايتها أن تبين ما للسلم من الحقوق الدستورية وما هو الفرق بينه وبين الكافر من جهة القانون في الدولة الإسلامية. وهذان النوعان من الأحاديث لا يخفى عليك ما في أسلوب بيانهما من الفرق الواضح. فبينا أن الرسول في أن الرسول في الأحاديث من النوع الأول إنما يتكلم باعتباره المرشد الروحاني لعامة المسلمين، إذ هو الأحاديث من النوع الثاني يتكلم باعتباره رئيسا للدولة الإسلامية وواضعا للقانون لنوع جديد من نظام السياسي.
هذا ويجدر بنا أن نلقي نظرة في أحاديث من غير هذين النوعين، الخطاب موجه فيها خاصة إلى أولئك الأفراد الممتازين من العرب، الذين اصطفاهم الرسول صلى الله عليه وسلم واختارهم لصحبته من بين أفراد المجتمع العربي في زمانه وكان يعني بتربيتهم وتزكية نفوسهم على عينه عناية غير عادية غير حتى يأتي منهم رجال يتشبعون بروح الإسلام ويكنون مساعديه في القيام بواجبات الرسالة وتبليغها وتعميمها في العالم كله في حياته وبعد وفاته:
عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الرحل قال: «يا معاذ»! قال «لبيك وسعديك يا رسول الله» قال: «يا معاذ»! قال «لبيك يا رسول الله وسعديك» قال: يا معاذ»! قال «لبيك يا رسول الله وسعديك» ثلاثا، قال: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على الناس» قال: «يا رسول الله! أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟» قال: «إذن يتكلوا» (متفق عليه) ومعنى «إذن يتكلوا» إنهم لا يفهمون روحه فيقعون في سوء الظن بأن النجاة تلزم بمجرد أداء الشاهدين باللسان.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا قعودا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا وفزعنا فقمنا فكنت أول من فزع فخرجت ابتغى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيت حائطا للأنصار لبني النجار فدرت به هل أجد له بابا فلم أجد فإذا ربيع يدخل في جوف حائط من بئر خارجه والربيع الجدول) فاحتفزت فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبو هريرة؟ فقلت «نعم يا رسول الله!» قال: «ما شأنك؟» قلت: كنت بين أظهرنا، فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا، فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي» فقال: يا أبا هريرة ـ وأعطاني نعليه ـ «أذهب بنعلي هاتين فمن لقيك من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قبله فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتين النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت «نعم يا رسول الله!» قال: «ما شأنك؟» قلت: كنت بين أظهرنا، فقمت فأبطأت علينا فخشينا أن تقتطع دوننا ففزعنا، فكنت أول من فزع فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، وهؤلاء الناس ورائي» فقال: يا أبا هريرة ـ وأعطاني نعليه ـ «أذهب بنعلي هاتين فمن لقيك من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قبله فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني بهما من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشرته بالجنة» فضرب عمر بين ندبي فخررت بها لاستى، فقال أرجع يا أبا هريرة. فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهشت بالبكاء وركبني عمر وإذا هو على اثري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مالك يا أبا هريرة»؟ قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة خررت بها لاستي، فقال أرجع. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر ما حملك على ما فعلت؟ فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشره بالجنة؟ قال: نعم. قال «فلا تفعل فأني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «فخلهم». (رواه مسلم)
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم نائم ثم أتيته وقد استيقظ، فقال ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك دخل الجنة. قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قال وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر (متفق عليه).