والموقع ولا ينطلق في كل مناسبة إلا بما يوافقها ويسارع إلى الوقوع من قلوب الناس وأذهانهم. وإنك لن تعرف تعليم الرسول الكامل وطريقه الشامل في إرساخه في أذهان الناس، إلا إذا نظرت نظرة جامعة شاملة في هذه الأمور المنتشرة في مختلف المواضع من كتب الحديث. وأما إذا لم تجمع بين هذه الوحدات المنتشرة ولم تركبها على هيئة عدد منظم، وأخذت تستخرج النتائج من كل وحدة من هذه الوحدات بصفتها الفردية المستقلة، لا تلبث أن تبوء بمثل الخطأ الذي يقع فيه الإنسان بنظره في مختلف آيات القرآن متفرقة.
راع هذه القاعدة وانظر نظرة شاملة في الأحاديث التي قد بين فيها الرسول صلى الله عليه وسلم تعاليم الإسلام على غير أسلوب واحد:
ذات مرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فجاءه أعرابي وقال: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار، قال: تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم.
أنظر ماذا في هذا الحديث؟ رجل يؤمن بالرسول واليوم الآخر وقد دخل في حظيرة الإسلام، فلا حاجة به إلى أن يعرف أجزاء الإيمان والأخلاق مفصلة، وإنما ينبغي الهداية والإرشاد للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فيعلمه الرسول صلى الله عليه وسلم، على قدر حاجته، أن يستقيم على العقيدة التي تقوم عليها الإسلام وبترسيخ فيها ويؤدي ما عليه من الحقوق لله ولعباده.
وذات مرة أخرى أتى أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة والمكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان» قال «والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا ولا انقص منه». فلما ولى، قال النبي صلى الله عليه وسلم «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا» (متفق عليه).
فماذا ههنا؟ مسلم صادق يظهر استعداده لقبول كل هداية من الرسول بالإخلاص وصدق النية، فيكفي أن يعرفه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا يحتاج لدخول الجنة إلى أن يروض نفسه على المراقبات والمجاهدات والأوراد والوظائف الطويلة العريضة، بل له إذا حفظ عقيدته من الشرك ولم يقصر في أداء ما عليه من فرائض الله في حياته الدنيا، أن يدخل الجنة.
ويجدر بنا أن ننظر الآن في نوع آخر من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم:
بعث الرسول صلى الله عليه وسلم معاذ بن جيل إلى اليمن وقال «إنك تأتي قوما أهل كتاب فأدعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم توخذ من أغنيائهم وترد على فقراتهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم وأثق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب» ورواه الجماعة).
وفي حديث آخر من هذا النوع أنه صلى الله عليه وسلم قال «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويقيموا الصلاة ويوتوا الزكاة، فإذا فعلوا عصموا دماءهم وأموالهم وحسابهم عند الله، وفي رواية أخرى لهذا الحديث أنه «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. (رواهما البخاري).
إن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما بين في هذه الأحاديث قانون الإسلام الدستوري ( Constitution Law ) وهو أن كل إنسان إذا آمن بوحدانية الله ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم دخل دائرة الإسلام وصار مواطنا من مواطني الدولة الإسلامية. وأما هل هو صادق في إيمانه في حقيقة الأمر أم لا، فهذا ما على الله حسابه وليس من حقنا أن نشق قبله ونقضي عليه بشيء. يقول صلى الله عليه وسلم في حديث آخر «لم أوامر أن أشق عن قلوب الناس ولا عن بطونهم». إن الضمان بصيانة النفس والمال والعرض يناله الإنسان بمجرد شهادته بالتوحيد وإقراره بعقيدة الرسالة وليس من حق غيره أبدا، بعد هذا، أن بسلبه حقا من حقوق المواطنة في الدولة الإسلامية إلا بحق الإسلام أي إذا أبى أن يؤدي شيئا مما عليه من الحقوق لله وللخلق، فسيعاقب على قدر جريمته.
أنظر ما في هذا النوع من الأحاديث؟ ليس هناك رجل يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء وإنما هناك رجل يبعثه الرسول صلى الله عليه وسلم حاكما من قبله لناحية من نواحي الدولة ويسزرده بالتعليمات القانونية، فيكتفي بأن يبين له حدود القانون