الرَّجُلُ مُتَرَبِّعًا، فَامْتَنَعَ الْبُقَاعِيُّ مِنْ إِقْرَائِهِ، وَقَالَ لَهُ: «أَنْتَ أَحْوَجُ إِلَى الْأَدَبِ مِنْكَ إِلَى الْعِلْمِ الَّذِي جِئْتَ تَطْلُبُهُ».
وَمِنْ هُنَا كَانَ السَّلَفُ - رَحِمَهُمُ اللهُ - يَعْتَنُونَ بِتَعَلُّمِ الْأَدَبِ، كَمَا يَعْتَنُونَ بِتَعَلُّمِ الْعِلْمِ.
قَالَ ابْنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللهُ: «كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْهَدْيَ كَمَا يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ».
بَلْ إِنَّ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُقَدِّمُونَ تَعَلُّمَهُ عَلَى تَعَلُّمِ الْعِلْمِ.
قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لِفَتًى مِنْ قُرَيْشٍ: «يَا ابْنَ أَخِي، تَعَلَّمِ الْأَدَبَ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ».
وَكَانُوا يُظْهِرُونَ حَاجَتَهُمْ إِلَيْهِ.
قَالَ مَخْلَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ يَوْمًا: «نَحْنُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِلْمِ».
وَكَانُوا يُوصُونَ بِهِ، وَيُرْشِدُونَ إِلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: «كَانَتْ أُمِّي تُعَمِّمُنِي، وَتَقُولُ لِي: اذْهَبْ إِلَى رَبِيعَةَ - تَعْنِي ابْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقِيهَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِهِ - فَتَعَلَّمْ مِنْ أَدَبِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ».
وَإِنَّمَا حُرِمَ كَثِيرٌ مِنْ طَلَبَةِ الْعَصْرِ الْعِلْمَ بِتَضْيِيعِ الْأَدَبِ، فَتَرَى