فَقُوَّةُ بَقَاءِ العِلْمِ فِي الصِّغَرِ، كَقُوَّةِ بَقَاءِ النَّقْشِ فِي الحَجَرِ، فَمَنِ اغْتَنَمَ شَبَابَهُ نَالَ إِرْبَهُ، وَحَمِدَ عِنْدَ مَشِيبِهِ سُرَاهُ.
اغْتَنِمْ سِنَّ الشَّبَابِ يَا فَتَى ... عِنْدَ المَشِيبِ يَحْمَدُ القَوْمُ السُّرَى
وَأَضَرُّ شَيْءٍ عَلَى الشَّبَابِ التَّسْوِيفُ وَطُولُ الأَمَلِ، فَيُسَوِّفُ أَحَدُهُمْ وَيَرْكَبُ بَحْرَ الأَمَانِيِّ، وَيَشْتَغِلُ بِأَحْلَامِ اليَقَظَةِ، وَيُحَدِّثُ نَفْسَهُ أَنَّ الأَيَّامَ المُسْتَقْبَلَةَ سَتَفْرُغُ لَهُ مِنَ الشَّوَاغِلِ، وَتَصْفُو مِنَ المُكَدِّرَاتِ وَالعَوَائِقِ.
وَالحَالُ المَنْظُورَةُ: أَنَّ مَنْ كَبُرَتْ سِنُّهُ كَثُرَتْ شَوَاغِلُهُ، وَعَظُمَتْ قَوَاطِعُهُ، مَعَ ضَعْفِ الجِسْمِ وَوَهَنِ القُوَى.
وَلَنْ تُدْرَكَ الغَايَاتُ العُظْمَى بِالتَّلَهُّفِ وَالتَّرَجِّي وَالتَّمَنِّي.
وَلَسْتُ بِمُدْرِكٍ مَا فَاتَ مِنِّي ... بِلَهْفٍ وَلَا بِلَيْتَ وَلَا لَوْ أَنِّي
وَلَا يُتَوَهَّمُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الكَبِيرَ لَا يَتَعَلَّمُ، بَلْ هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَعَلَّمُوا كِبَارًا، ذَكَرَهُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِ العِلْمِ مِنْ «صَحِيحِهِ»، وَإِنَّمَا يَعْسُرُ التَّعَلُّمُ فِي الكِبَرِ - كَمَا بَيَّنَهُ المَاوَرْدِيُّ فِي «أَدَبِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ» - لِكَثْرَةِ الشَّوَاغِلِ، وَغَلَبَةِ القَوَاطِعِ، وَتَكَاثُرِ العَلَائِقِ، فَمَنْ قَدِرَ عَلَى دَفْعِهَا عَنْ نَفْسِهِ أَدْرَكَ العِلْمَ.