تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن أبا عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان أحد بني ضبيعة وقد كان خرج حين خرج إلى مكة مباعداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم معه خمسون غلاماً من الأوس وبعض الناس كان يقول: كانوا خمسة عشر رجلاً وكان يعد قريشاً أن لو قد لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر قالوا: فلا أنعم الله بك عيناً يا فاسق وكان أبو عامر يسمى في الجاهلية: الراهب فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: الفاسق فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شر ثم قاتلهم قتالاً شديداً ثم راضخهم بالحجارة.

قال ابن إسحاق: وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرضهم بذلك على القتال: يا بني عبد الدار إنكم قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وإنما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فإما أن تكفونا لواءنا وإما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به وتواعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع! وذلك أراد أبو سفيان.

فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرضنهم فقالت هند فيما تقول:

ويهاً بني عبد الدار ... ويهاً حماة الأدبار

ضرباً بكل بتار وتقول:

إن تقبلوا نعانق ... ونفرش النمارق

أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق

وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد: أمت أمت فيما قال ابن هشام.

قال ابن إسحاق: فاقتتل الناس حتى حميت الحرب وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس.

قال ابن هشام: حدثني غير واحد من أهل العلم أن الزبير بن العوام قال: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة وقلت: أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت إليه فسألته إياه قبله فأعطاه إياه وتركني والله لأنظرن ما يصنع فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت وهكذا كانت تقول له إذا تعصب بها فخرج وهو يقول:

أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل

ألا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول

قال ابن هشام: ويروى في الكبول.

قال ابن إسحاق: فجعل لا يلقى أحداً إلا قتله وكان في المشركين رجل لا يدع لنا جريحاً إلا ذفف عليه فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه وضربه أبو دجانة فقتله ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها قال الزبير فقلت: الله ورسوله أعلم.

قال ابن إسحاق: وقال أبو دجانة سماك بن خرشة: رأيت إنساناً يخمش الناس خمشاً شديداً فصمدت له فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة فأكرمت سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أضرب به امرأة.

وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء ثم مر به سباع بن عبد العزى الغبشاني وكان يكنى بأبي نيار فقال له حمزة: هلم إلي يابن مقطعة البظور وكان أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي.

قال ابن هشام: شريق بن الأخنس بن شريق وكانت ختانة بمكة فلما التقيا ضربه حمزة فقتله.

قال وحشي غلام جبير بن مطعم: والله إني لأنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه ما يليق به شيئاً مثل الجمل الأورق إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى فقال له حمزة: هلم إلي يابن مقطعة البظور فضربه ضربة فكأن ما أخطأ رأسه وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه فأقبل نحوي فغلب فوقع وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر ولم تكن لي بشيء حاجة غيره.

تهذيب سيرة ابن هشام · الصفحة ٢٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تهذيب سيرة ابن هشامص ٢٤٥