والواجب الشرعي أن نعيش وفق أمر الله، فحيثما كان أمر الشرع يقتضي الخلطة فهي الأفضل، وحيثما كان أمر الشرع يقتضي العزلة فهي الأفضل، وبذلك تكون الخلطةُ والعزلةُ تؤديان مقصداً شرعياً صحيحاً، وأثراً طيباً في تزكية النفس.
ولكن هذا لا يعني أن يجعل كل وقته مع الناس، بل لا بد للمؤمن أن يجعل في كل يوم وقتاً يختلي فيه بربه، قال صلى الله عليه وسلم ذاكراً من السبعة الذين يظلهم الله في ظله: «ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» فحثنا في هذا على الخَلوة في ذكر الله، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم خلوته السنوية باعتكافه العشرَ الأواخر من رمضان، حيث كان يصلي مع الناس ولا يكاد يكلمهم ولا ينشغل بهم عن اعتكافه، ولقد أمر الله نبيه بالانقطاع إلى الله في قوله: ﴿وتبتل إليه تبتيلاً﴾ أي انقطع إليه انقطاعاً، وإذا كان الانقطاع يمكن أن يكون انقطاعاً قلبياً دون الانقطاع الجسدي، فإن المبتدئ في طريق التزكية لا يستطيع أن ينقطع بقلبه عن الناس إلا مع الانقطاع الجسدي، فلزمه أن يعطي ذلك شيئاً كثيراً من وقته، فإنه ينتفع بذلك كثيراً.