وقيل: إن قوله جل وعلا: وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [البقرة:282] أن الواو هنا للاستئناف، وأن الأمر بالتقوى منفصل عن تعليم الله سبحانه وتعالى للإنسان. ويقول: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:282]، ثم ذكر الله سبحانه وتعالى بعد ذلك الرهن، وذلك أنه من وجوه حفظ الحق الذي يكون بين الناس.
قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً ... )
ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: وَإِنْ كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ [البقرة:283].
حكم الرهن
ذكر الله سبحانه وتعالى الرهان بعدما ذكر الكتابة والشهادة، يعني: أن الإنسان إذا كان مسافراً فالغالب عليه أنه لا يجد كاتباً ولا شهوداً؛ لأنه يسافر وحده، ويلتقي بأحدٍ يبتاع منه متاعاً، يبتاع منه طعاماً، يبتاع منه دابة في طريقه أو نحو ذلك، فيقال: إن هذا في الرهن. وهل السفر مذكور هنا لأن الرهن لا يجوز أن يؤخذ إلا في السفر؟ نقول: لا، إنما ذكر السفر في ذلك لأنه ذكر قال: تِجَارَةً حَاضِرَةً [البقرة:282]، ثم بعد ذلك لغلبة حال المسافرين أنهم لا يجدون شهوداً ولا كتبة للأمية المعروفة والمشتهرة في الصدر الأول، ذكر ما هو السبيل للتوثيق، وبهذا نعلم أن قبض الرهن إنما هو بدل للتوثيق عن الكتابة والشهادة، وهو محمول على ما تقدم من جهة الاستحباب، فهو للدلالة والإرشاد، وذكر السفر هنا للغلبة فيه ألا يجد الإنسان شاهداً وكاتباً، وليس المراد بذاته أن الرهن لا يكون إلا في السفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى الرهن وهو في حله، كما جاء في حديث عائشة في الصحيح: (مات النبي عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي)، وهذا الذي عليه جماهير العلماء. ومن العلماء من قيد أخذ الرهن إنما يكون في السفر، وهو قول ضعيف.