ولهذا نقول أيضاً: إن الزكاة إنما تجب في مال الإنسان عيناً، يعني: معلومة من عين ماله، وأما بالنسبة للدين فإنه واجب ديناً لا عيناً، فمثلاً يكون الإنسان لديه ورق من النقدين، أو يكون لديه الزكاة في عروض التجارة، أو يكون الزكاة لديه من الإبل والبقر والغنم ونحو ذلك، فهي معلومة عيناً، بخلاف الزكاة الذي عند فلان فهي دين عليه، فليس للإنسان أن يخرج ما وجب عليه عيناً فيسقطه من ذلك ديناً، فهذا ليس من جنسه، ولهذا نقول: إن إبراء ذمة المدين بدينه زكاة أن هذا لا يجزئ عن صاحب المال، وهذا ظاهر، ولو كان ذلك مشروعاً لحث عليه النبي عليه الصلاة والسلام ولو مرة بنص ظاهر، وكذلك الخلفاء الراشدون، وكذلك حث عليه الصحابة، لا يعلم عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال بإبراء ذمة المدين من دينه الذي عليه عن الزكاة، وأن ذلك يجزئ عنه، مع كثرة الديون وحاجة الناس، فدل هذا على عدم اعتبار ذلك.
اعتبار إسقاط الدين عن الفقير من الزكاة
وأما الصدقة المذكورة في قول الله جل وعلا: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:280]، المراد بهذا: هو الصدقة وإسقاطها نفقة وتبرعاً لا زكاةً، وهذا ظاهر، وهذا في قوله جل وعلا: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:280]، يعني: تجعلونها صدقة، فذكر الخيرية يعني أنها على الاستحباب. وأما من استدل بما جاء في حديث (الرجل الذي باع نخلاً ثم تاجر به فكثر دينه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: تصدقوا عليه، فتصدقوا، فلم يف بدينه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لغرمائه: خذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك)، وهذا ما يحتج به ابن حزم الأندلسي رحمه الله إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (تصدقوا عليه)، وهذا أمر من النبي عليه الصلاة والسلام بإسقاط الذي عليه صدقة. نقول: هذا صدقة لا يخالف ظاهر القرآن.