وأما قوله: (تصدقوا عليه)، فهذا من النبي عليه الصلاة والسلام ليس لأهل الأموال، وإنما للناس عامة، ولهذا قال: (تصدقوا عليه)، ثم توجه بالخطاب للغرماء، فقال لغرمائه: (خذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك).
حبس المعسر وثواب إنظاره
وفي هذه الآية أيضاً دلالة على أن المعسر لا يجوز حبسه إذا ظهر إعساره، فإذا بان لدى الحاكم أو القاضي أن هذا الرجل ليس بواجد للمال، فلا يجوز حبسه؛ لأن الحبس عقوبة، والإعسار ليس بيد الإنسان، فلم يرتكبه الإنسان اختياراً، وكذلك فإنه أقرض المال اختياراً من صاحب المال، فالغني إنما أقرض الفقير أو المحتاج، أو الغني أقرض غنياً، أقرضه في ذلك وهو على اختياره لا على إكراه، ومعلوم أن الدين في ذلك لا يتحتم يقيناً أن الإنسان يجده، ولكن على غلبة الظن أنه يجد من ذلك وفاءً، فإذا عجز الإنسان ولم يجد وفاءً وتيقن القاضي والحاكم أنه ليس بواجد وأنه معسر، حرم عليه حبسه، نص على هذا سعيد بن جبير رحمه الله من فقهاء السلف، وذهب إلى هذا جماعة، وهو ظاهر هذه الآية، ولكن إذا غلب على ظن القاضي أنه واحد أو أراد أن يستظهر من حاله لصعوبة سبر أحوال الناس، نقول: لا حرج عليه أن يحبسه استظهاراً لحاله ما لم يتبين إعساره، كأن يدعي أحداً أن لديه مالاً وهو يخفيه أو نحو ذلك، أو لم يعلم حاله ولم تقم بينة في ذلك، فظهر عنده أنه واجد، فلا حرج عليه أن يحبسه استظهاراً لحاله، وهذا قد نص عليه الأئمة الأربعة عليهم رحمة الله كأبي حنيفة و مالك و الشافعي وأحمد إلى أنه يحبس استظهاراً، وإذا قلنا بحبسه استظهاراً فإنه لا حرج عليه أن يحبسه إذا كان واجداً وماطل، والدليل على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (مطل الغني ظلم، يحل عرضه وعقوبته)، يعني: إذا كان واجداً وهو غني، ثم أخذ يماطل في الدين، فإنه يعاقب لهذا، قال: (يحل عرضه وعقوبته)، (يحل عرضه) بالوقوع فيه بأن يتشكى الإنسان، فيقال: فلانٌ أخذ مالي، ولم