ومن ثم فاقتصادياته تمثل هذه النظرة المتوازنة ، التي تقع بين الرأسمالية والشيوعية ، وتحقق أفضل ما في النظامين دون أن تقع في انحرافاتهما . فهي تبيح الملكية الفردية من حيث المبدأ . ولكنها تضع لها الحدود التي تمنع بها الضرر . وتبيح للمجتمع - أو ولي الأمر ممثل المجتمع - أن ينظم هذه الملكية أو يعدلها كما ظهر له أن ذلك يحقق مصلحة للمجموع .
لذلك لا يضيق الإسلام بالملكية الفردية ما دام يملك أن يزيل بشتى الوسائل ما قد ينتج عنها من أضرار . وإن إبقاء الملكية من حيث المبدأ مع تقرير حق الجماعة في تنظيمها وتقييدها ، خير في معاملة النفوس من إلغائها بتاتاً ، على أساس غير صحيح : وهو أن الملكية ليست نزعة فطرية ولا ضرورة بشرية . وإن اضطرار روسيا أخيراً إلى إباحة ألوان من الملكية في حدود معينة لبرهان قوي على أن من الخير الاستجابة إلى الفطرة البشرية : خير للفرد وللمجموع على السواء .
* * *
على أننا نعود فنسأل : لماذا نلغي الملكية الفردية ؟ ولأي هدف نطالب الإسلام بإلغائها؟
تقول الشيوعية إن إلغاءها هو السبيل الوحيد للتسوية بين البشر ، وإبطال النزعة إلى السيطرة والسلطان . وقد ألغت روسيا ملكية وسائل الإنتاج .. فهل وصلت إلى الهدف الذي تنشده من وراء ذلك ؟
ألم تضطر روسيا على يد ستالين إلى إباحة العمل بعد الوحدة الإجبارية الأولى لمن يجد في نفسه وفرة من النشاط والجهد مقابل أجور إضافية ، فنشأ بذلك تفاوت في الأجور بين العمال أنفسهم ؟
ثم هل تتساوى أجور الناس جميعاً في الإتحاد السوفييتي ؟ هل يأخد المهندس أجراً كالعامل ؟ وهل يأخذ الطبيب أجراً كالممرض ؟ إن دعاة الشيوعية أنفسهم ليعلنون أن أعلى أجر في روسيا هو أجر المهندس ، وأن الفنانين هم أكثر الناس دخلاً هناك . فيعترفون بتفاوت الأجور بين طوائف الشعب الروسي ، فضلاً عن تفاوت الطبقة الواحدة كما حدث بين العمال .