ولكن هذه الصفحة المشرقة لم تدم طويلاً ، لان الرأسمالية – بتطورها الطبيعي كما يقولون – قد أدت إلى تكدس الثروات في أيدي أصحاب رؤوس الأموال ، وتضاؤلها النسبي المتزايد في أيدي العمال . فصار صاحب رأس المال يشغل العامل – وهو وحده المنتج الحقيقي في نظر الشيوعية – لإنتاج أكبر قدر من المنتجات ، ويعطيه أجراً ضئيلاً لا يفي بالحياة الكريمة لجمهور العمال – الكادحين – مستخلصاً لنفسه " فائض القيمة " في صورة أرباح فاحشة يعيش بها حياة ترف فاجرة لا تقف عند حد .
هذا فضلاً على حقيقة أخرى : وهي أن ضآلة أجر العامل تمنعه من استهلاك كل إنتاج المصانع في البلاد الرأسمالية ، لأنه لو أخذ من الأجر ما يكفي لاستهلاك الناتج كله أو معظمه لانتفى ربح رأس المال أو لتضاءل إلى أقصى حد . وهذا ما لا تسمح به الرأسمالية لأنها تنتج للربح أولاً قبل كل شيء . ومن هنا تتكدس البضائع سنة بعد سنة ، وتبحث الدول الرأسمالية عن أسواق جديدة لتصريف بضائعها . فينشأ الاستعمار ، وما يتلوه من تطاحن على الأسواق وعلى موارد المواد الخامة ينتهي بالحروب المدمرة ..
ومع ذلك كله فلا بد أن تحدث في ظل النظام الرأسمالي أزمات دورية نتيجة الانكماش الذي ينشأ من ضآلة الأجور وضآلة الاستهلاك العالمي بالنسبة للإنتاج المتزايد ..
وبغض النظر عن التفكير العجيب الذي يجعل دعاة المادية والمؤمنين بجبرية الاقتصاد يقولون : إن هذا كله لا ينشأ عن سوء نية أصحاب رؤوس الأموال ولا رغبتهم الذاتية في الاستغلال ، وإنما هذا من طبيعة رأس المال ! ! بغض النظر عن هذا التفكير الساذج العجيب الذي يجعل الإنسان كله بأفكاره ومشاعره مخلوقاً سلبياً لا حول له ولا قوة أمام قوة الاقتصاد .. فإننا نعود إلى الفرض الذي افترضناه . وهو نشأة الرأسمالية في العالم الإسلامي .