" … غير أن هذا المنتج المباشر في ظل النظام الإقطاعي لم يكن حراً بالمعنى الذي نعرفه فيما بعد ، فهو لا يملك الأرض ملكية كاملة ، ولا يستطيع التصرف فيها بالبيع والتوريث أو الهبة ، وكان يؤدي أعمال السخرة في أرض الشريف الخاصة رغماً عنه وضد مصلحته ، وعليه أن يؤدي ضريبة- غير محدودة المقدار- اعترافاً بعلاقة التبعية ، وهو ينتقل مع الأرض إذا ما انتقلت هذه من يد إلى أخرى . وليست له الحرية المطلقة في مغادرة مكان العمل أو محاولة الالتحاق بخدمة سيد آخر . فهو إذن يمثل حلقة متوسط بين العبد في العصور القديمة ، والمزارع الحر في العصر الحديث .
" ... فالمالك هو الذي يحدد مساحة الأرض التي يهبها للفلاح ، وهو الذي يحدد مقدار الخدمات التي يطلب من الأجير أداءها وهو في قراراته هذه لا يتقيد بتصرفات الملاك الآخرين ، ولا يستجيب لمطالب الفلاحين .
ثم يقول : " وهنا بدأت في القرن الثالث عشر حركة هجرة غير مشروعة من جانب العمال الزراعيين ، وهي الحركة المعروفة باسم " فرار الفلاحين " . وحاول الملاك استرداد الفلاحين الهاربين ، فعقدوا فيما بينهم اتفاقات تقضي بأن يقبض كل مالك على العمال الذين يصلون إلى إقطاعيته ، غير أن عملية الفرار هذه كانت ظاهرة عامة ، وشعر كل مالك بحاجته إلى العمال لمزاولة الزراعة ، فبدأ التحرر من هذه الاتفاقات ، وهكذا أخفقت محاولة التعاون بين الملاك ، وهنا رأى الأخيرون أنه لا بد من علاج آخر ، فاتجه التفكير إلى إحلال الأجور النقدية محل السخرة الإجبارية .
" وتمكن كثيرون من الفلاحين من تكوين فائض . واستغلوا حاجة الأمراء والملاك الإقطاعيين ، فاشتروا حريتهم الشخصية . وإذا كانت هذه الظواهر لم تصبح تقاليد شائعة حتى القرن الرابع عشر ، فالمهم أن الأسس التي كان يقوم عليها المجتمع الإقطاعي قد أخذت تتقوض ، وهي عملية اطرد تقدمها في القرون التالية (1) " .
(1) كتاب " النظام الاشتراكي " بين ص22وص33 .