فكأن الأمر في الحقيقة لم يكن استرقاقاً من أجل الاسترقاق . ولا كان الرق أصلاً دائماً يهدف الإسلام إلى المحافظة عليه ، فاتجاه الإسلام إلى تحرير الرقيق هو الاتجاه البارز الذي تشير كل الدلائل إليه .
وإنما هو وضع موقوت يؤدي في النهاية إلى التحرير .
تقوم الحرب بين المسلمين وأعداء الإسلام فيقع بعض الأسرى من الكفار في يد المسلمين، فيصبحون – في بعض الحالات ، لا في كل الحالات ولا بصورة حتمية – رقيق حرب ، فيعيشون فترة من الزمن في جو المجتمع الإسلامي ، يبصرون عن كثب صورة العدل الرباني مطبقاً في واقع الأرض ، وتشملهم روح الإسلام الرحيمة بحسن معاملتها واعتباراتها الإنسانية ، فتتشرب أرواحهم بشاشة الإسلام ، وتتفتح بصائرهم للنور .. وعندئذ يحررهم الإسلام بالعتق في بعض الأحيان ، أو بالمكاتبة إن تاقت نفوسهم إلى الحرية وسعوا إليها .
وبذلك تصبح الفترة التي يقضونها في الرق في الحقيقة فترة علاج نفسي وروحي ، قوامه إحسان المعاملة لهم ، وإشعارهم بآدميتهم المهدرة ، وتوجيه أرواحهم إلى النور الرباني بغير إكراه .. ثم في النهاية يكون التحرير ..
وذلك كله في حالة الاسترقاق . وليست هي السبيل الوحيد الذي يسلكه الإسلام ، كما يتضح من آية التشريع ، ومن السلوك العملي للرسول صلى الله عليه وسلم في مختلف الغزوات .
أما النساء فقد كرمهن - حتى في رقهن - عما كن يلقين في غير بلاد الإسلام . فلم تعد أعراضهن نهباً مباحاً لكل طالب على طريقة البغاء ( وكان هذا هو مصير أسيرات الحروب في أغلب الأحيان ) وإنما جعلهن ملكاً لصاحبهن وحده ، لا يدخل عليهن أحد غيره ، وجعل من حقهن نيل الحرية بالمكاتبة ، كما كانت تحرر من ولدت لسيدها ولداً ويحرر معها ولدها ، وكن يلقين من حسن المعاملة ما أوصى به الإسلام .
* * *