وينبغي أن يؤخذ أيضاً بالسبب، وألا ينظر إلى مطلق إعانة الله عز وجل, فإن عون الله سبحانه وتعالى لعباده لا يتجرد من الأسباب الكونية، والله جل وعلا قد جعل للكون أسباباً تجري عليها, فليس لإنسانٍ منفردٍ مثلاً أن يواجه آلافاً من الناس, وليس للرجل الأعزل أن يواجه سيافاً أو حامل سلاحٍ أو نحو ذلك فهذا فيه قصور، ولهذا فإن المرتبة الأولى من مراتب الجهاد هي مرتبة الكف. المرتبة الثانية: هي التخيير في حال قتال المشركين، وذلك بحسب النظر إلى المصلحة، فقد يقاتل قومٌ ويسالم قومٌ آخرون, وينبغي في ذلك أن يأخذ أهل الإسلام بالسياسة، ومن السياسة في ذلك ألا يقاتل المسلمون الكفار عموماً، بل يهادنون قوماً، ويقاتلون غيرهم, ويهادنون قوماً ويقاتلون آخرين. ورسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمره الله عز وجل بالقتال كان يهادن طوائف ولو كانوا من جنس الطائفة التي يقاتلها أو على دينهم، ولذلك هادن بني النظير وقاتل بني قريظة, وهذا أيضاً حدث مع بعض الطوائف التي بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم دعوة سلمية، وليس بينه وبينها حرب. وإعلان الحرب المفتوحة على سائر الكفار هذا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاق، ولم يفعله أئمة الإسلام أيضاً، وإنما يوادعون قوماً أو يسالمونهم، وموادعتهم، أي: تركهم وشأنهم, فلا يظهر منهم تهديد ولا وعيد، وإنما يتوجهون إلى طائفة معينة، وهذا من السياسة الشرعية. المرتبة الثالثة: الأمر بالمقاتلة وجوباً، وللعلماء في تقديره تباين, مع إقرارهم بعلاماته من جهة الأصل وأماراته، فمنهم من يقول: يجب على كل ولي أن يكون له في كل ستة أشهر غزوة، ومنهم من يقول: في كل سنة غزوة.
شرح إعتقاد سفيان الثوري · الصفحة ١٦٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح إعتقاد سفيان الثوريص ١٦٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي