(سبحانك) من أن يكون لك شريك. (ما يكون لي): ما ينبغي لي. (أن أقول) قولا لا يحق لي أن أقوله، (في نفسي): في قلبي: والمعنى: تعلم معلومى ولا أعلم معلومك، ولكنه سلك بالكلام طريق المشاكلة وهو من فصيح الكلام وبينه، فقيل: .........
قوله: ﴿سبحانك﴾ من أن يكون لك شريك)، فإن قلت: قوله: ﴿اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ لا يقتضي الشركة، بل يقتضي أنهم اتخذوهما إلهين من دون الله، على أنه يوهم إنكار الإفراد، ولأنهم لو اتخذوهما إلهين معه لكان جائزا؛ لأنك إذا قلت: اتخذت فلانا دوني حبيبا: جاز إنكار إفراده بالاتخاذ، وأجاب الراغب: أن قوله: "من دوني" يحتمل وجهين، أحدهما: إنكار اتخاذهما معبودين وعدم اتخاذه معبودا، وذلك أنهم لما عبدوهما معه كان عبادتهما له غير معتد بها؛ لأن الله تعالى لا يرضى أن يعبد معه غيره، والثاني: أن دون هاهنا للقاصر عن الشيء، وهم عبدوا المسيح وأمه، فهما توصلا إلى عبادة الله كما عبد الكفار الأصنام حيث قالوا: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾ [الزمر: 3]، فكأنه قيل: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين﴾ متوصلين بنا إلى الله؟ ﴿قال سبحانك﴾ متنزهين عن ذلك.
قوله: (سلك بالكلام طريق المشاكلة)، يعني: لو لم تقل: ﴿ما في نفسي﴾، لم يجز أن يقال: ﴿ولا أعلم ما في نفسك﴾؛ لأنه لا يجوز أن يطلق على الله ابتداء اسم النفس، قال الزجاج: النفس في كلامهم لمعنيين، أحدهما: قولهم: خرجت نفس فلان، وفي نفس فلان أني فعل كذا، وثانيهما: جملة الشيء وحقيقته، تقول: فلان قتل نفسه، أي: ذاته، وليس معناه أن القتل وقع ببعضه، فمعنى ﴿تعلم ما في نفسي﴾ أي: ما أضمره ولا علم ما في حقيقتك وما عندك علمه، أي: تعلم ما أعلم ولا أعلم ما تعلم.
وقلت: ولابد من الإقرار بالمشاكلة؛ لأن "ما في النفس"- إن أريد المضمرات - فلا مطابقة من جانب الله، فيجب القول بالمشاكلة، وإن أريد ما في الحقيقة والذات فالمشاكلة من حيث