وجحود ما غاظهم واشمأزوا منه وامتعضوا مما نطق به القرآن من تحريم الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم، فقالوا: لسنا بأول من حرمت عليه، وما هو إلا تحريم قديم؛ كانت محرمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من بنى إسرائيل وهلم جرا، إلى أن انتهى التحريم إلينا، فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا. وغرضهم تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي، والظلم، والصد عن سبيل الله، وأكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل، وما عدد من مساويهم التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حرم عليهم نوع من الطيبات عقوبة لهم (قل فاتوا بالتوراة فاتلوها): أمر بأن يحاجهم بكتابهم ويبكتهم مما هو ناطق به من أن تحريم ما حرم عليهم تحريم حادث بسبب ظلمهم وبغيهم، لا تحريم قديم كما يدعونه، فروي أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة وبهتوا وانقلبوا صاغرين، وفي ذلك الحجة البينة على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى جواز النسخ الذي ينكرونه (فمن افترى على الله الكذب) بزعمه أن ذلك كان محرما على بني إسرائيل قبل إنزال التوراة من بعد ما لزمهم من الحجة القاطعة (فأولئك هم الظالمون) المكابرون الذين لا ينصفون من أنفسهم ولا يلتفتون إلى البينات.
(قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) 95]
(قل صدق الله) تعريض بكذبهم كقوله: (ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون) [الأنعام: 146]، .....
قوله: (وجحود): معطوف على "براءة ساحتهم".
قوله: (واشمأزوا)، النهاية: اشمأز، أي: انقبض وتجمع، وهمزته زائدة، يقال: اشمأز يشمئز اشمئزازا.
قوله: (امتعضوا)، أي: غضبوا، يقال: معض من شيء سمعه، وامتعض: إذا غضب وشق عليه.