وأنه في معنى الشرط. ففي إيراد الجملتين مصدرتين به - وإن لم يقل: فالذين آمنوا يعلمون، والذين كفروا يقولون- إحماد عظيم لأمر المؤمنين، واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعى على الكافرين إغفالهم حظهم وعنادهم ورميهم بالكلمة الحمقاء.
تأتي بمعنى الشرط والجزاء كأنه إذا قال: أما زيد فقد آمن وأما عمرو فقد كفر، قيل: مهما يكن من شيء فقد آمن زيد، ومهما يكن من شيء فقد كفر عمرو.
قلت: وتحريره: أي شيء قدر من الموانع والحوادث لا يمنع زيدا من افيمان. ويلزم منه أن الإيمان منه عزيمة، ولهذا كرر العبارة. وفي "الإقليد": عن عبد القاهر: حق زيد أن يكون بعد الفاء، لأنه جواب وجزاء إلا أنه حذف فعل الشرط وقدم المبتدأ وهو زيد على الفاء وجعل التقديم عوضا من الفعل المحذوف.
قوله: (إحماد عظيم) ليس من أحمدته، أي: صادفته محمودا، وإنما هو من أحمدت صنيعه، وأحمدت الأرض: رضيت سكناها، وجاورته فأ؛ مدت جواره. قاله في "الأساس" في قسم المجاز. وقيل: حكم بكونه محمودا، كالإكفار حكم بكونه كافرا.
قوله: (ورميهم بالكلمة الحمقاء) وصف الكلمة بالحمقاء إذا لم تصدر عن فكر وروية، بل يرمى بها جزافا. وقصد بها وصف صاحبها على الإسناد المجازي كما وصف القرآن في قوله: (والقرآن الحكيم) [يس: 2] بصفة من هو بسببه، لتكون كناية عن حمق صاحب الكلمة؛ ليصح التقابل بين هذه القرينة وبين قوله: (فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق) [البقرة: 26].
قال القاضي: وكان من حق الكلام: وأما الذين كفروا فلا يعلمون؛ ليطابق قوله: "يعلمون"، لكن لما كان قولهم هذا دليلا واضحا على جهلهم عدل إليه على سبيل الكناية ليكون كالبرهان عليه.