# وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرا، ولا يجوز أن يكون بشرا، وإذا تركت الواو فلم يقصد إلا معنى واحد وهو كونه مسحرا، ثم قرر بكونه بشرا مثلهم. فإن قلت: "إن" المخففة من الثقيلة ولامها كيف تفرقتا على فعل الظن وثاني مفعوليه؟ قلت: أصلهما أن يتفرقا على المبتدأ والخبر، كقولك: إن زيد لمنطلق، فلما كان البابان - أعنى باب "كان" وباب "ظننت"- من جنس باب المبتدأ والخبر، فعل ذلك في البابين فقيل: إن كان زيد لمنطلقا، وإن ظننته لمنطلقا.
التركيب، فما بيان الأبلغية واختصاص الواو بموضع دون موضع؟ قلت: التركيب بدون الواو في قصة ثمود يفيد التوكيد والتقرير، والقطع بأنه بشر مثلهم، أي: لا ينبغي أن نؤمن برسالاتك إلا بشيء تمتاز به عنا، ولهذا قالوا: ﴿فات بآية إن كنت من الصادقين﴾، والقوم أنصفوا في الطلب، ولهذا قال: ﴿هذه ناقة لها شرب﴾، وأما قوم شعيب عليه السلام فإنهم أثبتوا له شيئين: كونه مسحرا، وكونه بشرا مثلهم، كل واحد منهما مستقل في المنع من كونه رسولا، يعني: نحن وأنت في عدم صلاحية الرسالة لكوننا بشرا سواء، ولك المزيد علينا في كونك مسحرا دوننا، ثم أكدوا ذلك بقولهم: ﴿وإن نظنك لمن الكاذبين﴾، والظن بمعنى اليقين، ولذلك أدخل "إن" واللام. ولما كان هذا الرد أبلغ من الأول ما طلبوا البرهان كما طلبوا، حيث قالوا: ﴿فات بآية إن كنت من الصادقين﴾، بل قطعوا بما يدل على اليأس من إيمانهم بقولهم: ﴿فأسقط علينا كسفا من السماء﴾ استهزاء كما قطع قريش بقولهم: ﴿إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء﴾ [الأنفال: 32]، وإلى هذا المعنى رمز بقوله: "ولو كان فيهم أدنى ميل إلى التصديق لما أخطروه ببالهم"، ثم بين الله تعالى استمرارهم على ما كانوا عليه بقوله: ﴿فكذبوه فأخذهم﴾ أي: استمروا على ذلك وكذبوه تكذيبا غب تكذيب، هذا معنى الفاء والتكرير في ﴿فكذبوه﴾، واتصل بذلك عذاب يوم الظلة.
انظر أيها المتأمل في إعجاز التنزيل ومواقع هذه الحروف الثلاثة، أعين: الواو والفاءين، لئلا تغفل عن موقع كل حرف، فتكون أهلا لأن تخوض فيه، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كان لنهتدي لولا أن هدانا الله.