تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبذلك يرده إلى الحقيقة ، وهي أن الله هو المنشئ والصانع ، وأنه إذا كان – سبحانه – قد يسَّر للإنسان تسخير طاقات السماوات والأرض لعمارة الأرض وسكناها والاستمتاع بخيراتها ، فكل ذلك من عنده – سبحانه – وبما أودع الإنسان من قدرة على التعرف على سنن الله التي يدير بها الكون ، واستخدام هذه المعرفة لمنفعته . ولكن الإنسان بذاته لا يملك شيئاً ! ولو شاء الله لجعل الزرع حطاماً بعد أن يبذل الإنسان كل جهد فيه ! ولو شاء لجعل الماء النازل من السحاب أجاجاً لا يصلح للشرب (1) ، ولو شاء كذلك لم ينشئ المادة التي تتولد منها الطاقة الحرارية التي يستدفئ بها الإنسان فأوجعه البرد أو قضى عليه !

كذلك يفرح الإنسان بما عنده من العلم ويحسب أنه من عند نفسه ، وأنه مستغن به عن الله ، فيذكّره الله : ( وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [ النحل : 78 ] .

فأدوات المعرفة هي أصلاً منحةٌ من عند الله ، فضلاً عن أنها لا تؤدِّي إلى المعرفة بذاتها ، وإنما بما أودعها الله من قدرة على التعلم : ( الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) [ العلق : 4 ، 5 ] .

ولو شاء الله لذهب بسمع الناس وأبصارهم وأفئدتهم فلا يقدرون على شيء ! أو لو شاء الله لسلب قدرتهم على التعلم فلا يقدرون على شيء مع وجود السمع والأبصار !

(1) إن مشيئة الله هي التي جعلت عملية البخر التي ينشأ منها السحاب والمطر تصعّد الماء العذب إلى السماء وتترك الملح في جوف البحر ، فينزل المطر من السحاب عذباً صالحاً للشرب ، ولو شاء الله لغيَّر سننه فجعل المطر ينزل أجاجاً كماء البحر فيموت الإنسان عطشاً . وإلى ذلك تشير الآية : ( لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ) .

ركائز الإيمان · الصفحة ٢٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ركائز الإيمانص ٢٧٨