تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الإنسان - كما فطره الله - نزعتان فطريتان متكاملتان : إحداهما تنزع إلى الإيمان بالمحسوس ، أي ما يقع في دائرة الحس ويمكن للحواس أن تدرك وجوده بالنظر أو السمع أو الشم أو الذوق أو اللمس ، والأخرى تنزع إلى الإيمان بالغيب ، أي بما لا يقع في دائرة الحس ولا يمكن للحواس أن تدرك وجوده بطريق مباشر .

وإذا كان الإنسان يشترك في النزعة الأولى مع بعض المخلوقات الأخرى ، فقد خصَّه الله بالنزعة لثانية - وهي الإيمان بالغيب - وكرَّمه بها ، وفضَّله بها عن كثير ممن خلق . وكانت هذه الموهبة الربانية من عوامل رفعة الإنسان واتساع أفقه وعظمة روحه ، وانفساح المجال أمامه وراء المحسوسات القريبة إلى آفاق التفكير والتدبّر في الكون كله لينتفع به ويستدل به على عظمة خالقه ومبدعه .

ولكن فطرة الإنسان عرضة للمرض كما قلنا ، إذا لم يداوم على رعايتها وتقديم الغذاء الصلح لها ، من ذكر لله وتقرب إليه بالأعمال الصالحات ، وعندئذ يرين على القلوب ما يرين عليها من ظلمات : ( بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) [ المطففين : 14 ] .

ومن الأمراض التي تصيب فطرة الإنسان أن تغفل عن غير المحسوس ، وتحصر اهتمامها رويداً رويداً في دائرة المحسوس وحده ، ثم تمتد بها الغفلة حتى تستغني تماماً بعالم الحس عما وراءه ، بل تمتد بها الغفلة أحياناً أكثر من ذلك فتنكر ما وراء الحس إنكاراً كاملاً وتزعم

أنه غير موجود (1) 0

وفي المراحل الأولى من هذا الغفلة لا ينكر المشرك وجود الله ، ولكنه يتلمس صورة محسوسة قريبة يضفي عليها في خياله بعض خصائص الألوهية من نفع وضر ، وعلم للغيب ، وتصريف للأمر بالمشاركة مع الله ! فمع أنه يعلم أن الله هو الخالق ، وأنه لا يشاركه أحد في الخلق ، إلا أنه يزعم أن فلاناً من الناس ( نبيّاً كان أو وليّا من أولياء الله الصالحين ) أو الملائكة ، أو الجن ، أو صنماً من الأصنام يستطيع أن يضر أو ينفع ، أو يستجيب للدعاء ، أو يبسط الرزق لمن يشاء ، أو يعلم الغيب ويخبر به من يستطيع أن يتلقى عنه . وفي مثل هذه الصورة كان العرب في جاهليتهم . فقد ورد في القرآن أنهم يعرفون أن الله

(1) سنرى فيما بعد أن هذا المرض الأخير هو أوسع ابواب الألحاد الذى شمل جانباً كبيراً من البشرية فى العصر الحاضر0

ركائز الايمان · الصفحة ١١٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

ركائز الايمانص ١١٤