وقفةٌ مع الرّقاة: أيّها الرقاة الموفقون: إنّ مكانة الرقية والرقاة الصالحين لا تخفى, يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن الرقية: هذا من أفضل الأعمال وهو من أعمال الأنبياء والصالحين؛ فإنه ما زال الأنبياء والصالحون يدفعون الشياطين عن بني آدم بما أمر الله به ورسوله كما كان المسيح يفعل ذلك وكما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك. ا.ه[49]
ولِمَكانة الرقية وجب أنْ تكون على وفق السنة.
ومن الْملحوظات على بعض الرقاة: أنهم من حين ما يشُكُّون في الإنسان أنه مصاب بالعين أو بالسحر قالوا له: أنت تحتاج إلى رقية!
نعم, كلنا يحتاج إلى رقية, ولكن المريض عند سماعه لهذا الكلام ستحوم حوله الوساوس والشكوك, وربما استسلم للمرض بحجة إصابته بالعين.
والأولى أنْ يُرشدوه إلى استعمال الرقية على كل حال, وأنها علاجٌ لأمراض العين والسحر, والهموم والغموم, والأمراض العضوية, كالسرطان وبعض أنواع الشلل.
جاء في صحيح مسلم[50] عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَقُلَ، أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ.
فقد كان يستعمل الرقية لكل إنسان يشتكي, ولم تُحَدِّد عَائِشَةُ نوع المرض, فيشمل كل مرض عضوي أو نفسي.
وروى عنها[51] أنه كَانَ إِذَا عَادَ مَرِيضًا يَقُولُ: «أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، اشْفِهِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا».
وروى عنها[52] أنها قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ»..
فكان يرقي كل مريض.
ولا يخفى أنه أقَرَّ الصحابة على الرقية على اللديغ.
ففي الصحيحين[53] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاَءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لاَ يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ، وَيَقْرَأُ: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ[54]، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ[55]، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: اقْسِمُوا، فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لاَ تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ»، ثُمَّ قَالَ: «قَدْ أَصَبْتُمْ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا» فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فالمقصود أنّ الجزم بأن المريض مصابٌ بالعين أو السحر خطأٌ إلا عند التأكد. وينبغي على الراقي أنْ يَحُث المريض على استعمال الرقية لا لكونه معيونًا أو مسحورًا, ولا حتى أنه مشكوك بإصابته, بل للاستشفاء المطلق بالرقية, وقد كَانَ قدوتُنا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفُثُ، قالت عائشةُ رضي الله عنها: فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ عَنْهُ بِيَدِهِ، رَجَاءَ بَرَكَتِهَا. متفق عليه[56]
فنحن أحق أن نرقي أنفسنا وغيرنا عن كل مرض.
ثم ينبغي للرقاةِ - جزاهم الله خيرًا- أن يأمروا المريض بأن يُجاهد نفسه في التخلص مما أصابه, ويُرشدوه إلى الأسباب الحسية ونحوها.
ومن الْخَطأ قول بعض الرقاة: إنَّ تثاؤبَ الراقي دليل على إصابة المريض بالعين!!
وقد أنكر ذلك الشيخ عبد الله السدحان ذلك في كتابه القيم: (كيف تعالج مريضك بالرقية)، بل قال: هذا دليل قطعي على أن هذا الراقي مصاب بالعين وهو لا يعلم!!
فكثيرًا ما نسمع من الناس أنَّ الرقاةَ جزموا بأنهم مصابون بالعين؛ لأن التثاؤب اشْتَدَّ عليهم أثناء الرقية!!
فسبحان الله! هل تثاؤب الذي قرأ القرآن يدل على إصابة المقروئ عليه؟ أم العكس صحيح؟
فالواجب على الرقاة ألا يزيدوا المرض وسوسةً وشكًّا, بل يُطمئنونه بأنه بخيرٍ وصحة, وإن أيقنوا بأنه مُصابٌ بالسحر أو بالعين فلا بأس بإخباره برفقٍ.
وكم سمعتُ بنفسي من أصدقاء وأقارب أُصيبوا باضطرابات شديدة, فذهبوا لبعض الْرّقاة, فلمّا قرؤوا عليهم أخبروهم بأنهم مُصابون بمسّ أو بعين, بل يُحدّثني أحدُ الثقات بأنَّ الراقيَ قال: فيك ثلاثةٌ من الجنّ!!
فذهبوا إلى المستشفى وكشف الطبيب عليهم وأخبرهم بأنّ فيهم كذا وكذا من نقصٍ في الفيتامينات, أو اضطرابات في الجهاز الهضمي, أو نحو ذلك.
وآخر دخل عليّ مُكبَّلَةً يداه ورجلاه بأكياسٍ! يعضُدُه أخوه, والعرق يتصبّب منه, ووجهُهُ شاحبٌ خائف, فهدّأتُ من روعه, وأخبرني بأنّ الراقيَ الفلانيّ أخبره بأنه مُصابٌّ بالمسّ!.
فنصحته بأن يذهب للمستشفى ويحلل تحليلاً شاملاً, فلما ذهب تبيّن بأنه مُصابٌ بسرطان في الدم! وبعد عدة أشهر توفي رحمه الله.
فانظر - رحمك الله - كيف التأثير السلبيّ على المريض من جراء الاستعجالِ بالحكمِ بالمرض ونحوِه.
***
[49] الفتاوى: 19/ 57.
[50] (2191).
[51] (2191).
[52] (2192).
[53] البخاري (2276), ومسلم (2201).
[54] أي كأنما فُك من حبل كان مشدودا به.
[55] أي علة ومرض.
[56] البخاري (501), ومسلم (2192).