أما بالنسبة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم, فالحديث عنه وعن عظمته وشمائله يطول, وسأقتصر على دليلين عقليين في إثبات نبوّتِه:
الأول: عظمةُ ما جاء به مُقارنةً بحياته البدائية.
من المقطوع به أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ مَشْهُورًا بَيْنَ قَوْمِهِ بِالْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ- وَإِنْ كَانَ فَصِيحًا بَلِيغًا -وَإِنَّمَا صَرَفَهُ اللهُ تَعَالَى أن يكون مشهورًا بِالْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ لِتَكُونَ حُجَّتُهُ فِي إِعْجَازِ الْقُرْآنِ بِالْبَلَاغَةِ أَظْهَرَ وَأَبْعَدَ عَنِ الشُّبْهَةِ ، فَلَا يُمكن أنْ يحتج أحدٌ عليه فيقولُ : إِنَّهُ تَمَرَّنَ عَلَى الْكَلَامِ الْبَلِيغِ وَتمرّس عليه الزَّمَنَ الطَّوِيلَ لكي يأتي يومًا ويزعم أنه نبيٌّ.
\"فلَمْ يَكُنْ مَعْدُودًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ فِي بُلَغَاءِ الْقَوْمِ بِالشِّعْرِ وَلَا الْخَطَابَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَ مَشْهُورًا بِالْأَمَانَةِ وَالْفَضِيلَةِ وَالصِّدْقِ\".[18]
إنّ الْمُتجرّد العاقل ليرى في محمد أعظم مُعجزةٍ في التاريخ, وأعظم دليل على أنه هذا الكون له مُدبّرٌ حكيمٌ لطيف!
تأمل معي- أيها القارئُ الكريم- في حياة وسيرة النبي محمد قبل نُبوّتِه, حيث عاش أربعين سنةً لم يُؤْثَرْ عنه فيها شيءٌ من العلم، ولم يزاحم فحول البلاغة في نثر ولا نظم, ولم يكن إلا واحدًا من أفراد الناس, يعيش كما يعيشون, ويسير كما يسيرون- إلا أنه كان يجتنب سفاسف الأمور والأخلاق-.
وكان يصفُه قومُه بالصدق والأمانة لا غير, فلم يصفوه بالبليغ ولا بالحكيم, ولا بالفصيح ولا بالفهيم, ليس لأنه لم يكن كذلك, بل لأنه لم يتميّز وينفرد بها عن غيرِه.
ثم ما لبث هذا الرجل العاديّ, الذي وصفه ربّه بأنه كان قبل النُّبُوُّة ضالاًّ وغافلاً, ولا يدري ما لكتاب ولا الإيمان, حيث قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى﴾، يعني ضالا غافلاً عما أنت عليه من الحق والهدى والعلم, فهداك للتوحيد والنبوة.
وقال عنه: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ يوسف: 3.
وقال عنه: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ﴾ الشورى: 52.
هكذا كان حالُه قبل بلوغه الأربعين سنة, والغالب أنّ من تجاوز الأربعين ولم يتميّز بشيءٍ قبلها, لن يَبْرُع ويتميّز بعدها, ولكنه ما لبث أنْ قلب الدّنيا, وغيّر موازين القوى المسيطرة فيها هو وأصحابُه الذين تبعوه وأيدوه في أقل من أربعين سنةٍ فقط!!
كيف يُمكن لرجلٍ واحدٍ أنْ يُحدث هذه النقلَة العظيمة العجيبة في زمن قصير جدًّا!
كيف اسْتطاع هو وأتباعه أنْ يُقنعوا الناس بدينهم وعقيدتهم بلا إكراه وإلزام, فقد وطئتْ أقدامُهُم في هذه الفترة الوجيزة كامل الجزيرة العربية, وفارس وأذربيجان شرقًا, والعراق والشام شمالاً, ومصر والسّودان والمغرب وتونس غربًا.
وأسلم أغلب سُكّان هذه البلاد طواعيةً ورغبة؛ لِما وجدوا من الفاتحين من سماحةٍ وعدل, وما لَمَسُوه من دينهم من حقّ مُوافق للعقل والفطرة.
فهل يُمكن لرجل هذه نشأتُه, أنْ يُحدث هذا كله دون مُعحزةٍ إلهيّة, وقوّةٍ خارجيّة؟
يقينًا: لا.
ثم انظر إلى النهضة العلمية التي نتجت عن دعوته, فقد أُلّفت مئات الكتب في تفسير وفهم القرآن الكريم, ومئات الكتب في الحديث والعقيدة والفقه والأصول والنحو والبلاغة والأدب وغيرها, وتخرج من مدرسته مئات الآلاف من العلماء والأذكياء والقادة, الذين أكملوا نهضته, وأتموا ما أشاده, وتمسطوا بهديه ودينه.
وأضحت أمته اليوم تُناهز الْمليار بل وتزيد يومًا بعد يوم, ويدخل في دينه آلاف المخالفين والمحاربين والكارهين له.
ألا يكفي ذلك دلالةً بيّنةً على أنه وحيٌ يُوحى, وأنّ ما جاء به نورٌ وهُدى؟
بلى والله.
ثم تأمل: إذا أردنا مدح عالم قلنا: قرأ ودرس وتعلّم, إلا رسول اللهﷺ فإننا إذا بالغنا في مدحه قلنا: أمّي لم يقرأ ولم يدرس!
ومع ذلك خرَّج أعظم جيل!
قال الشيخ محمد رشيد رحمه الله: إِنَّ الْعَاقِلَ الْمُسْتَقِلَّ الْمُفَكِّرَ إِذَا عَرَفَ تَارِيخَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتَارِيخَ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ نَشَأَ أُمِّيًّا لَمْ يَتَعَلَّمِ الْقِرَاءَةَ وَلَا الْكِتَابَةَ ، وَأَنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ نَشَأَ فِيهِمْ كَانُوا أُمِّيِّينَ وَثَنِيِّينَ جَاهِلِينَ بِعَقَائِدِ الْمِلَلِ وَتَوَارِيخِ الْأُمَمِ وَعُلُومِ التَّشْرِيعِ وَالْفَلْسَفَةِ ، حَتَّى إِنَّ مَكَّةَ عَاصِمَةَ بِلَادِهِمْ ، وَقَاعِدَةَ دِينِهِمْ ، وَمَثْوَى كُبَرَائِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ ، وَمَثَابَةَ الشُّعُوبِ وَالْقَبَائِلِ لِلْحَجِّ وَالتِّجَارَةِ فِيهَا ، وَالْمُفَاخَرَةِ بِالْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ فِي أَسْوَاقِهَا التَّابِعَةِ لَهَا ، لَمْ يَكُنْ يُوجَدُ فِيهَا مَدْرَسَةٌ وَلَا كِتَابٌ مُدَوَّنٌ قَطُّ ، فَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الدِّينِ التَّامِّ الْكَامِلِ ، وَالشَّرْعِ الْعَامِّ الْعَادِلِ ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُكْتَسَبًا وَلَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَنْبَطًا بِعَقْلِهِ وَفِكْرِهِ. ا.ه[19]
وقال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾: لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - بَعَثَ نَبِيًّا أُمِّيًّا غَيْرَ نَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ وَصْفٌ خَاصٌّ لَا يُشَارِكُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ أَحَدٌ مِنَ النَّبِيِّينَ ، وَالْأُمِّيَّةُ آيَةٌ مِنْ أَكْبَرِ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ ، فَإِنَّهُ جَاءَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِأَعْلَى الْعُلُومِ النَّافِعَةِ ، وَهِيَ مَا يَصْلُحُ مَا فَسَدَ مِنْ عَقَائِدِ الْبَشَرِ وَأَخْلَاقِهِمْ وَآدَابِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ ، وَعَمِلَ بِهَا فَكَانَ لَهَا مِنَ التَّأْثِيرِ فِي الْعَالَمِ مَا لَمْ يَكُنْ وَلَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ مِنْ خَلْقِ اللهِ.
وَأُمِّيَّتُهُ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ أَعْظَمِ مُعْجِزَاتِهِ ، وَأَيَّةُ آيةٍ عَلَى صِحَّةِ دَعْوَى الرِّسَالَةِ أَقْوَى وَأَظْهَرُ مِنْ تَعْلِيمِ الْأُمِّيِّ الَّذِي لَمْ يَتَعَلَّمْ شَيْئًا لِجَمِيعِ الْأُمَمِ مَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ وَفَلَاحُهُمْ مِنَ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ؟!. ا.ه[20]
ولذلك قال لقريشٍ حينما كَذَّبوه فيما جاءهم به من الوحي والقرآن: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
قال الشيخ محمد رشيد رحمه الله: أَيْ فَقَدْ مَكَثْتُ فِيمَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ عُمُرًا طَوِيلًا مِنْ قَبْلِهِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ سَنَةً ، لَمْ أَتْلُ عَلَيْكُمْ فِيهِ سُورَةً مِنْ مِثْلِهِ وَلَا آيَةً تُشْبِهُ آيَاتِهِ ، لَا فِي الْعِلْمِ وَالْعِرْفَانِ ، وَلَا فِي الْبَلَاغَةِ وَرَوْعَةِ الْبَيَانِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ؟ إِنَّ مَنْ عَاشَ أَرْبَعِينَ سَنَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا كِتَابًا ، وَلَمْ يُلَقَّنْ مَنْ أَحَدٍ عِلْمًا ، وَلَمْ يَتَقَلَّدْ دِينًا ، وَلَمْ يَعْرِفْ تَشْرِيعًا ، وَلَمْ يُمَارِسْ أَسَالِيبَ الْبَيَانِ ، فِي أَفَانِينِ الْكَلَامِ ، مِنْ شِعْرٍ وَنَثْرٍ ، وَلَا خَطَابَةٍ وَفَخْرٍ ، وَلَا عِلْمٍ وَحِكَمٍ ، لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ الْمُعْجِزِ لَكُمْ ، بَلْ هُوَ يُعْجِزُ جَمِيعَ الْخَلْقِ حَتَّى الدَّارِسِينَ لِكُتُبِ الْأَدْيَانِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّارِيخِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ ؟ فَكَيْفَ تَقْتَرِحُونَ عَلَيَّ إِذًا أَنْ آتِيَ بِقُرْآنٍ غَيْرِهِ؟..
وَقَدْ ظَهَرَ لِعُلَمَاءِ هَذَا الْعَصْرِ مَا أَيَّدَ دَلَالَتَهَا الْعِلْمِيَّةَ فَإِنَّهُمْ بِمَا حَذَقُوا عِلْمَ النَّفْسِ وَأَخْلَاقَ الْبَشَرِ وَطِبَاعَهُمْ ، وَمَا عَرَفُوا مِنْ دَرَجَاتِ اسْتِعْدَادِهِمُ الْعِلْمِيِّ وَالْعَقْلِيِّ بِاسْتِقْرَاءِ تَارِيخِهِمْ ، قَدْ حَقَّقُوا أَنَّ اسْتِعْدَادَ الْإِنْسَانِ الْعَقْلِيَّ لِلْعُلُومِ ، وَاسْتِعْدَادَهُ النَّفْسِيَّ لِلنُّهُوضِ بِالْأَعْمَالِ الْقَوْمِيَّةِ أَوِ الْعَالَمِيَّةِ ، يَظْهَرُ كُلٌّ مِنَ الِاسْتِعْدَادَيْنِ فِيهِ مَنْ أَوَائِلِ نَشْأَتِهِ ، وَيَكُونُ فِي مُنْتَهَى الْقُوَّةِ وَالظُّهُورِ بِالْفِعْلِ عِنْدَ اسْتِكْمَالِ نُمُوِّهِ فِي الْعَقْدَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ مِنْ عُمْرِهِ ، فَإِذَا بَلَغَ الْخَامِسَةَ وَالثَّلَاثِينَ وَلَمْ يَظْهَرْ نُبُوغُهُ فِي عِلْمٍ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي سَبَقَ اشْتِغَالُهُ بِهَا ، وَلَا النُّهُوضُ بِعَمَلٍ مِنَ الْأَعْمَالِ الْعَامَّةِ الَّتِي كَانَ اسْتَشْرَفَ لَهَا ، فَإِنَّ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا أَوْ ذَاكَ مِنْ بَعْدِهَا جَدِيدًا أُنُفًا وَيَكُونُ فِيهِ نَابِغًا نَاجِحًا. ا.ه[21]
لقد ظهر جليًّا أنّ النبي مُحمّدًا لم يتلق أيّ علمٍ من أحدٍ قبل النبوّة, ولم يكن له أُستاذٌ يستقي العلم والمعرفة منه, ولم يكن يقرأُ ويكتب.
وإنّنا إذا أردنا مدح عالم وخبير قلنا: قرأ كذا وكذا, ودرس كذا وكذ, وتلقى العلم من العالم الفلاني, واشْتغل في العلم والبحث سنواتٍ طويلة, إلا رسول الله! فإننا إذا مدحناه قلنا: أمّيٌّ لم يقرأ ولم يكتب, ولم يتعلم من أحدٍ؟ لماذا؟ لأنه تلقى أعظم علم من أعظم مُعلّم, وهو الخالق تبارك وتعالى.
ولذلك لَمَّا رأى كفار قريشٍ أنّ منطق النبي محمّد يعلو, والقلوبَ إلى ما جاء به تهفوا, وأنّ ما جاء به الهدى والنور قد تلقَّته القلوب السليمة بالقبول والتسليم, لصحةِ منطقه, وسلامته من الخرافات والأباطيل, رأوا أنّه لا يُمكن أنْ يأتي به من نفسه, بل لابدّ أنْ مصدرٌ يتقلى منه هذه العلوم والبيان السحار للقلوب, وأبوا أنْ يقتنعوا أنه من الرب الخالق القادر, فلَفّقوا عليه تهمة الأخذ من غيرِه من البشر, وهم يعرفونه منذ نعومة أظفاره, ولم يروا أحدًا يُعلّمه, ولا رأوه يذهب إلى أحدٍ يتعلم منه, ولو علموا ذلك لسمّوه واشْتُهر بينهم.
فلذلك قَالُوا: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)﴾
فردّ الله تعالى عليهم: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال ابن كثير رحمه الله: وهذا الكلام -لسخافته وكذبه وبهْته منهم -كُلّ أحد يعلم بطلانه، فإنه قد عُلم بالتواتر وبالضرورة: أن محمداً رسول الله لم يكن يعاني شيئا من الكتابة، لا في أول عمره ولا في آخره، وقد نشأ بين أظهرهم من أول مولده إلى أن بعثه الله نحوا من أربعين سنة، وهم يعرفون مدخله ومخرجه، وصدقه، وبره وأمانته ونزاهته من الكذب والفجور وسائر الأخلاق الرذيلة، حتى إنهم لم يكونوا يسمونه في صغره إلى أن بُعِث إلا الأمين، لما يعلمون من صدقه وبره. فلما أكرمه الله بما أكرمه به، نصبوا له العداوة، وَرَموه بهذه الأقوال التي يعلم كل عاقل براءته منها، وحاروا ماذا يقذفونه به، فتارة من إفكهم يقولون: ساحر، وتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: مجنون، وتارة يقولون: كذاب، قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثَالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾الإسراء : 48. ا.ه[22]
الثاني: شهادة الأعداء والكفار له:
\"لقد أنصف كثيرٌ من الغربيين محمدًا ، وكان هذا الإنصاف ناتجًا عن دراسة موضوعية مستفيضة لسيرة وحياة رسول الله ، وقد اكتملتْ في هذه الدراسة عناصر المنهج العلمي الحديث القائم على الملاحظة والتجربة والاستقصاء، فخرجت نتائجهم إيجابية تجاه رسول الله ، وأصبحت شهاداتهم نورًا يهتدي به الباحثون عن الحقيقة في الغرب.
1- الشاعر الفرنسي لامارتين[23]:
\"أترون أن محمدًا كان صاحب خداع وتدليس، وصاحب باطل وكذب؟! كلا، بعدما وعينا تاريخه، ودرسنا حياته، فإنَّ الخداع والتدليس والباطل والإفك.. كل تلك الصفات هي ألصق بمن وصف محمدًا بها\"[24].
2- عالم الاجتماع غوستاف لوبون[25]:
\"إنني لا أدعو إلى بدعة مُحْدَثة، ولا إلى ضلالة مستهجَنَة، بل إلى دين عربي قد أوحاه الله إلى نَبِيِّه محمد، فكان أمينًا على بثِّ دعوته بين قبائل تلهَّتْ بعبادة الأحجار والأصنام، وتلذَّذَتْ بتُرَّهَات الجاهلية، فجمع صفوفهم بعد أن كانت مبعثرة، ووحَّدَ كلمتهم بعد أن كانت متفرِّقَة، وَوَجَّهَ أنظارهم لعبادة الخالق، فكان خير البرية على الإطلاق حُبًّا ونسبًا وزعامة وَنُبُوَّة، هذا هو محمد الذي اعتنق شريعته أربعمائة مليون مسلم، منتشرين في أنحاء المعمورة، يُرَتِّلُونَ قرآنًا عربيًّا مبينًا\"[26].
ويقول في موضع آخر: \"فرسول كهذا جدير باتِّبَاع رسالته، والمبادرة إلى اعتناق دعوته؛ إذ إنها دعوة شريفة، قِوَامُهَا معرفة الخالق، والحضُّ على الخير، والردع عن المنكر، بل كل ما جاء فيها يرمي إلى الصلاح والإصلاح، والصلاح أنشودة المؤمن، وهو الذي أدعو إليه جميع النصارى\"[27].
3- المفكِّر البريطاني لين بول[28]:
\"إن محمدًا كان يَتَّصِفُ بكثير من الصفات؛ كاللطف والشجاعة وكرم الأخلاق، حتى إن الإنسان لا يستطيع أن يحكم عليه دون أن يتأثَّر بما تَطْبَعُه هذه الصفات في نفسه، ودون أن يكون هذا الحكم صادرًا عن غير ميل أو هوًى، كيف لا؟! وقد احتمل محمد عداء أهله وعشيرته سنوات بصبر وجَلَد عظيمين، ومع ذلك فقد بَلَغ من نُبْلِه أنه لم يكن يسحب يده من يد مصافحه حتى لو كان يصافح طفلاً! وأنه لم يمرَّ بجماعة يومًا من الأيام -رجالاً كانوا أم أطفالاً- دون أن يُسَلِّم عليهم، وعلى شفتيه ابتسامة حُلوة، وبنغمة جميلة كانت تكفي وحدها لتسحر سامعيها، وتجذب القلوب إلى صاحبها جذبًا!\"[29].
4- الأديب الإنجليزي جورج برنارد شو[30]:
\"لقد درست محمدًا باعتباره رجلاً مدهشًا، فرأيته بعيدًا عن مخاصمة المسيح، بل يجب أن يُدْعَى منقذ الإنسانية، وأوربا في العصر الراهن بدأت تعشق عقيدة التوحيد، وربما ذهبت إلى أبعد من ذلك؛ فتعرف بقدرة هذه العقيدة على حلِّ مشكلاتها، فبهذه الروح يجب أن تفهموا نبوءتي\"[31].
5- المستشرق الإنجليزي الكبير وليم موير[32]:
ويقول: \"امتاز محمد بوضوح كلامه، ويسر دينه، وأنه أتم من الأعمال ما أدهش الألباب، لم يشهد التاريخ مصلحًا أيقظ النفوس، وأحيا الأخلاق الحسنة، ورفع شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل محمد\".[33]
\"ومهما يكن هناك من أمر فإن محمدًا أسمى من أن ينتهي إليه الواصف، وخبيرٌ به مَنْ أمعن النظر في تاريخه المجيد، وذلك التاريخ الذي ترك محمدًا في طليعة الرسل ومفكري العالم\".[34]
6- المستشرق الأمريكي واشنجتون إرفنج: [35]
\"كانت تصرفات الرسول في أعقاب فتح مكة تدلُّ على أنه نبي مرسل، لا على أنه قائد مظفَّر؛ فقد أبدى رحمةً وشفقةً على مواطنيه، برغم أنه أصبح في مركز قوي، ولكنه تَوَّج نجاحه وانتصاره بالرحمة والعفو\".[36]
7- رئيس الوزراء الهندي الأسبق جواهر لال نهرو:[37]
\"كان محمد كمؤسسي الأديان الأخرى ناقمًا على كثير من العادات والتقاليد التي كانت سائدة في عصره، وكان للدين الذي بَشَّر به -بما فيه من سهولة وصراحة وإخاء ومساواة- تجاوبٌ لدى الناس في البلدان المجاورة؛ لأنهم ذاقوا الظلم على يد الملوك الأوتوقراطيين والقساوسة المستبدين، لقد تعب الناس من النظام القديم، وتاقوا إلى نظام جديد، فكان الإسلام فرصتهم الذهبية؛ لأنه أصلح الكثير من أحوالهم، ورفع عنهم كابوس الضيم والظلم\".[38]
8- المؤرخ البلجيكي جورج سـارتون:[39]
\"وخلاصة القول\... إنه لم يُتَحْ لنبي من قبلُ ولا من بعدُ أن ينتصر انتصارًا تامًّا كانتصار محمد\".[40]
9- مايكل هارت في كتابه \"الخالدون مئة\" ص13، وقد جعل على رأس المئة سيدَنا محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
\"إن اختياري محمداً، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ، قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين: الديني والدنيوي.
فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدءوا رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم، أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمداً هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته. ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضاً، وحّد القبائل في شعـب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم. أيضاً في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها\".
10- آن بيزينت[41]:
\"من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم ويعرف كيف عاش هذا النبي وكيف علم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبي الجليل، أحد رسل الله العظماء، ورغم أنني سوف أعرض فيما أروي لكم أشياء قد تكون مألوفة للعديد من الناس فإنني أشعر في كل مرة أعيد فيها قراءة هذه الأشياء بإعجاب وتبجيل متجددين لهذا المعلم العربي العظيم.
هل تقصد أن تخبرني أن رجلاً في عنفوان شبابه لم يتعد الرابعة والعشرين من عمره بعد أن تزوج من امرأة أكبر منه بكثير وظل وفياً لها طيلة 26 عاماً ثم عندما بلغ الخمسين من عمره - السن التي تخبو فيها شهوات الجسد - تزوج لإشباع رغباته وشهواته؟! ليس هكذا يكون الحكم على حياة الأشخاص.
فلو نظرت إلى النساء اللاتي تزوجهن لوجدت أن كل زيجة من هذه الزيجات كانت سبباً إما في الدخول في تحالف لصالح أتباعه ودينه أو الحصول على شيء يعود بالنفع على أصحابه أو كانت المرأة التي تزوجها في حاجة ماسة للحماية\".
11- الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل[42] الحائز على جائزة نوبل:
\"لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث هذا العصر أن يصغي إلى ما يقال من أن دين الإسلام كذب، وأن محمداً خدّاع مزوِّر. وقد رأيناه طول حياته راسخ المبدأ، صادق العزم، كريماً بَرًّا\".[43]
12- جوته الأديب الألماني:[44]
\"إننا أهل أوربى بجميع مفاهيمنا، لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد، وقد نجح محمد الذي أخضع العالم كله بكلمة التوحيد\".
\"وكَتَبَ الْأُسْتَاذُ إِدْوَارْ مُونْتِيهِ الْمُسْتَشْرِقُ مُدَرِّسُ اللُّغَاتِ الشَّرْقِيَّةِ فِي مَدْرَسَةِ جِنِيفَ الْجَامِعَةِ فِي مُقَدِّمَةِ تَرْجَمَتِهِ الْفَرَنْسِيَّةِ لِلْقُرْآنِ مَا تَرْجَمْتُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ.
((كَانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا صَادِقًا كَمَا كَانَ أَنْبِيَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْقَدِيمِ ، كَانَ مِثْلُهُمْ يُؤْتَى رُؤْيَا وَيُوحَى إِلَيْهِ)). ا.هـ[45]
***
[18] يُنظر تفسير المنار: 5/201
[19] تفسير المنار: 11/131
[20] تفسير المنار: 9/195-196/258
[21] تفسير المنار: 11/270-272
[22] تفسير ابن كثير: 6/ 94
[23] ألفونس دو لامارتين Alphonse de Lamartine (1790- 1869م): كاتب وشاعر وسياسي فرنسي، كان كثير السفر، أقام مدة في أزمير بتركيا. من كتبه: رحلة إلى الشرق، وتأملات شعرية.
[24] السفر إلى الشرق ص84.
[25] غوستاف لوبون Gustav Lobone (1841- 1931م): مستشرق فرنسي، قام بدراسات متخصصة في علم النفس والاجتماع، من أشهر كتبه: حضارة العرب، الذي يعدّ من أمهات الكتب التي صدرت في العصر الحديث في أوربا لإنصاف الحضارة العربية الإسلامية. انظر: أحمد حامد: الإسلام ورسوله في فكر هؤلاء ص59-61.
[26] هذا التعداد الذي ذكره غوستاف لوبون كان وقت إصداره لكتابه (حضارة العرب)، أما الآن عام 2008م فقد تجاوز عدد المسلمين في العالم 1.3 مليار نسمة. انظر: جريدة الشرق الأوسط، على الرابط http://www.asharqalawsat.com.
[27] حضارة العرب: ص67
[28] لين بول Lane Poole (1853-1917): مفكر إنجليزي، وهو واضع فهرست المسكوكات المحفوظة في دار الكتب المصرية عام 1897م، من مؤلفاته: (رسالة في تاريخ العرب).
[29] لين بول: رسالة في تاريخ العرب، نقلاً عن: عفيف عبد الفتاح طبارة: روح الدين الإسلامي ص438.
[30] جورج برنارد شو George Bernard Show (1856-1950م): مؤلف إنجليزي مشهور، حاز على جائزة نوبل في الأدب عام 1925م. وطُلِبَ منه أن يكتب مسرحية عن حياة محمد فرفض، وكان ذلك ضربة قاضية لمن أرادوا تشويه الإسلام. انظر: أحمد حامد: الإسلام ورسوله في فكر هؤلاء ص13-15.
[31] الحسيني الحسيني معدي: الرسول في عيون غربية منصفة ص70.
[32] وليم موير William Muir (1819-1905م): مؤرِّخ ومستشرق إنجليزي، وكان يبحث في الإسلام ويدرس أخلاق نبي الإسلام منذ بداية وجوده في الهند عام 1837م، ودرس الحقوق في جامعتي أدنبره وجلاسجو، ووصل إلى منصب رئيس جامعة أدنبره، انظر: عبد الرحمن بدوي: موسوعة المستشرقين ص578، 579، وأحمد حامد: الإسلام ورسوله في فكر هؤلاء ص22، 23.
[33] وليم موير: حياة محمد ص31.
[34] المصدر السابق ص20.
[35] واشنجتون إرفنج Washington Irving (1783- 1859م): مستشرق ومؤرخ أمريكي، أولى اهتمامًا كبيرًا بالدراسات الإسلامية، من مؤلفاته: (حياة محمد)، (فتح غرناطة). انظر: نجيب العقيقي: المستشرقون 3/131.
[36] واشنجتون إيرفنج: حياة محمد ص72.
[37] جواهر لال نهرو (J.Lal. Nahro) (1889- 1964م): يعدُّ نهرو أحد زعماء حركة الاستقلال في الهند، وأول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال. تميز بالاشتراكية والعدالة، ولم يكن متعصبًا للهندوسية.
[38] جواهر لال نهرو: لمحات من تاريخ العالم ص27.
[39] جورج سارتون George Sarton (1884- 1956م): بلجيكي الأصل، متخصص في العلوم الطبيعية والرياضية، درس العربية في الجامعة الأمريكية في بيروت 1931- 1932م، وألقى محاضرات حول فضل العرب على الفكر الإنساني. أبرز إنتاجه (المدخل إلى تاريخ العلم). انظر: نجيب العقيقي: المستشرقون 3/147، 148.
[40] سارتون: الثقافة الغربية في رعاية الشرق الأوسط ص28-30.
إلى هنا انتهى النقل من كلام الدكتور راغب السرجاني حفظه الله تعالى في موقعه: قصة الإسلام: http://cutt.us/4mrz
[41] في كتابه: حياة وتعاليم محمد دار مادرس للنشر 1932
[42] كاتب إسكتلندي وناقد ساخر ومؤرخ. وكان لأعماله تأثير كبير بالعصر الفكتوري, تُوفي عام: 1881
[43] الأبطال ص58-60.
[44] كاتب ألمانى كبير, كتب في عدة مجالات, منها الشعر والمسرح والأدب واللاهوت والانسانية والعلوم. تُوفي عام: 1832
[45] المنار: 11/127-128