((الأدلةُ العقليّة على وجود الله تعالى وصدق القرآن ورسول الأنام, عليه الصلاة والسلام)):
أما الأدلةُ العقليّة على وجود الله عز وجل، وإثبات أنَّ الدين الإسلامي هو الدين الحق \"فها هنا سؤال: لو أن سيارة تسير في الطريق لوحدها بغير قائد وبدون أي جهاز تحكم، فهي تسير تلقائياً بلا أي سائق، فتأخذ الركاب وتنقلهم إلى مدينة أخرى، فتنزلهم وتحمل غيرهم، وتقوم بالاعتناء بنفسها، وتصلح العطل الآلي، وتركب القطعة بنفسها؛ فهل يعقل هذا أم أن الجواب المتفق عليه عند جميع العقلاء أن هذا ممتنع ولا يمكن حصوله؛ لأنه قد اتفقت كلمة العقلاء على أنه لابد لكل سبب من مسبب، ولكل مفعول من فاعل، وبعبارة أخرى: لابد للحدث من محدث.
مثال آخر: ها أنت قد دخلت غرفتك فوجدت فيها حاسوباً يعمل عملاً متقناً، فهل يعقل أن هذا الجهاز قد صنع نفسه بنفسه؟ هل يصدق عاقل أن بهذا الحاسوب قد ركب كل هذه الأجهزة الدقيقة من تلقاء نفسه دون أن يكون ذلك بفعل فاعل؟! فسيقول لك: لا يمكن. وأما إن جحد وقال: يمكن، فهذه مكابرة ولا مجال للكلام مع من يخالف ما اتفق عليه عقلاء الناس؛ لأنه ليس في عِدادهم في هذه الحالة، فإذا أقر أن هذا غير ممكن فيقال حينئذ:
انظر في هذا النظام الكوني المتناهي في الدقة الذي هو غاية في التنظيم، انظر إلى الشمس كيف تشرق من المشرق وتغرب من المغرب من آلاف السنين بنظام دقيق لا تحيد عنه، وهذه الشمس هي السبب في استمرار الحياة على الأرض، فكل الكائنات الحية تحتاجها؛ لأن منها النور والضياء الذي لا غنى للحياة عنها، سواء كان ذلك في النباتات أو في الحيوانات أو في الإنسان.
انظر إلى بدنك، وانظر إلى التركيب المتناهي في الدقة، أجهزة جسمك، سواء كان ذلك في الجهاز العصبي أو كان ذلك في سائر الأجهزة كالجهاز الهضمي مثلاً، وانظر إلى كيفية عمل هذه الأجهزة بتناسق كامل، فها هو الطعام يدخل فيهضم، ثم بعد ذلك يتصرف منه الفضلات فتخرج من محلها المناسب.
انظر إلى الكائنات الحية الموجودة في بدن الإنسان والتي توفر له الاستمرار في الحياة، سواء كان ذلك في كريات الدم البيضاء التي وظيفتها الدفاع عن هذا البدن، والتي يحوي منها الإنسان ما لا يحصى عدداً في بدنه، وكيف أنها تنتج تلقائياً من خلال البدن.
انظر إلى القلب وكيف أنه هو المضخة لهذا الدم الذي لو توقف لدقيقة واحدة لمات الإنسان، وهو يعمل تلقائياً في بدنه.
انظر إلى الجهاز العصبي الذي يعطي الإشارات والرسالات لسائر البدن للقيام بوظائفها.
انظر إلى عينيك كيف يقع عليها الضوء، فتنعكس إلى مرحلة حتى تصل إلى محلها من الجهاز العصبي لتحصل الصورة في عينك، وكذلك إلى جهازك السمعي الذي تسير فيه الأمواج الصوتية لتقرع طبلة أذنك حتى تتحلل بعد ذلك في الجهاز العصبي إلى أصوات مفهومة مسموعة لك.
أكل ذلك وقع صدفة وبغير فعل فاعل؟! فإذا كنت تُقر أن جهاز الحاسوب الذي لا يستطيع أن يخدم نفسه بنفسه إلا أن يحركه محرك، أنه لا يمكن أن يوجد إلا بفعل فاعل، فهذا الإنسان لا يمكن أن يكون كذلك إلا بفعل فاعل، وهذه السموات التي فيها الملايين من الأفلاك والمجرات والأبراج كلها تدور في نظام محكم دقيق، لو حاد شيئاً ما ولو يسيراً لتدمرت الأرض ولزالت من أساسها ولذهبت الحياة واندثرت، (( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ))فاطر:41، أكل ذلك أيضاً بغير فعل فاعل؟!!
وإليك دليل آخر:
كيف وجدت الحياة في الأرض؟ كيف وجد العالم أصلاً من سمائه وأرضه بما فيه من أفلاك ومجرات؟ فإن قال: من الخلية الأولى كما هي النظرية (الدارونية)، نظرية الإلحاد، وهي نظرية (النشوء والارتقاء)، فالجواب: فمن أوجد الخلية الأولى؟ فإنه سيعجز؛ لأن الخلية الأولى لابد لها من موجد أيضاً، وإلا أدى إلى التسلسل إلى ما لا نهاية، وهذا قد اتفق عامة العقلاء على نفيه، ولذلك كان (دارون) نفسه مقرّاً في آخر حياته بأن نظريته تقوم عليها أسئلة لا يستطيع الإجابة عنها، وهذا هو السؤال الأعظم الذي عجزوا عن الإجابة عنه، وغاية ما عندهم أن الدنيا تكونت (صدفة) وحصل انفجار هائل.
والجواب: هذه الأجسام التي انفجرت من أوجدها حتى تكونت؟ وهل يُعقل أن تنفجر فيحصل مثل هذا النظام الدقيق المتناهي في الدقة، وتحصل الحياة على نمط واحد، وعلى صورة متكافئة يخدم بعضها بعضاً بدون مُوجد؟!
إن هذا ممتنع لدى عامة العقلاء، ولذلك فمن جحد مثل هذه الأدلة، فإنما يكابر ويتجاهل تجاهل العارف الذي يعرف يقيناً صحة ما يقال، ولكنه ينكر ذلك استكباراً وبغياً.
فهذه حجة ظاهرة عقلية لا يدفعها إلا جاحد مستكبر، وقد سيقت لك سوقاً وسطاً، وإلا فالأمر أجل وأبسط من هذا الأمر\".[8]
أما الحديث عن عظمة هذا القرآن الذي بين أيدينا, وإعجازِه وبلاغتِه, فلا يُمكن إحصاؤه, ولا الإتيان على عشر معشار ذلك.
ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
القرآنُ الكريمُ هو النورُ الذي عدّل الموازين, وصح المفاهيم, فحطم كِيان الوثنية, وأزال ما في قلوب الكافرين من الحمية الجاهلية, وأيقظَ العقول السادرة, ونبّه القلوب الغافلة, وأحيى الضمائر الميتة, وسار بالإنسان نحو الفطرة السوية.
قال العلامةُ محمد رشيد رضا رحمه الله: \"لو أنَّ رَجُلًا ادَّعَى فِي بِلَادٍ كَثُرَتْ فِيهَا الْأَمْرَاضُ أَنَّهُ طَبِيبٌ وَأَنَّ دَلِيلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ أَلَّفَ كِتَابًا فِي عِلْمِ الطِّبِّ يُدَاوِي الْمَرْضَى بِمَا دَوَّنَهُ فِيهِ فَيَبْرَءُونَ ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِ الْأَطِبَّاءُ الْبَارِعُونَ فَشَهِدُوا بِأَنَّهُ خَيْرُ الْكُتُبِ فِي هَذَا الْعِلْمِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ عَمَلٍ ، ثُمَّ عُرِضَ عَلَيْهِ مَنْ لَا يُحْصَى عَدَدًا مِنَ الْمَرْضَى وَقَبِلُوا مَا وَصَفَهُ لَهُمْ مِنَ الْأَدْوِيَةِ فَبَرِءُوا مِنْ عِلَلِهِمْ ، وَصَارُوا أَحْسَنَ النَّاسِ صِحَّةً ، فَهَلْ يُمْكِنُ الْمِرَاءُ فِي صِحَّةِ هَذِهِ الدَّعْوَى مَعَ هَذَيْنِ الْبُرْهَانَيْنِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَمَلِيِّ ؟ كَلَّا . وَإِنَّ الْعِلْمَ بِطِبِّ الْأَرْوَاحِ أَعْلَى وَأَعَزُّ مَنَالًا مِنَ الْعِلْمِ بِطِبِّ الْأَجْسَادِ ، وَإِنَّ مُعَالَجَةَ أَمْرَاضِ الْأَخْلَاقِ وَأَدْوَاءِ الِاجْتِمَاعِ أَعْسَرُ مِنْ مُدَاوَاةِ أَعْضَاءِ الْأَفْرَادِ.
وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْقُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ ، وَالْآدَابِ الْعَالِيَةِ وَأُصُولِ التَّشْرِيعِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالْمَدَنِيِّ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَالَجَ بِهِ أُمَّةً عَرِيقَةً فِي الشِّقَاقِ وَحَمِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ ، غَرِيقَةً فِي الْجَهْلِ وَالْأُمِّيَّةِ وَرَذَائِلِ الْوَثَنِيَّةِ ، فَشُفِيَتْ وَاتَّحَدَتْ ، وَتَعَلَّمَتِ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ، وَسَادَتِ الْأُمَمَ مِنْ بَدْوٍ وَحَضَرٍ ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ أَمِّيًّا لَمْ يَتَعَلَّمْ شَيْئًا مِنَ الْعُلُومِ ، وَلَمْ يَتَمَرَّسْ بِسِيَاسَةِ الشُّعُوبِ.
كَفَاكَ بِالْعِلْمِ فِي الْأُمِّيِّ مُعْجِزَةً \... فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالتَّأْدِيبِ فِي الْيُتْمِ
لَوِ اسْتَدَلَّ ذَلِكَ الطَّبِيبُ الْجَسَدَانِيُّ عَلَى صِحَّةِ دَعَوَاهُ بِعَمَلٍ غَرِيبٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ لِلنَّاسِ ، وَلَكِنْ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالطِّبِّ لَأَمْكَنَ الْمِرَاءُ فِي صِحَّةِ دَعْوَاهُ ، كَذَلِكَ شَأْنُ هَذَا النَّبِيِّ فِي ادِّعَائِهِ أَنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللهِ لِهِدَايَةِ الْبَشَرِ ، فَإِنَّ كِتَابَهُ الْعِلْمِيَّ الْمُؤَيَّدَ بِنَجَاحِ الْعَمَلِ بِهِ أَدَلُّ عَلَى كَوْنِهِ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيْهِ مِنْ جَعْلِ عَصَاهُ حَيَّةً أَوْ إِحْيَائِهِ مَيِّتًا . لِأَنَّ هَذَيْنِ عَلَى غَرَابَتِهِمَا لَيْسَا مِنْ مَوْضُوعِ الْإِرْشَادِ وَالتَّعْلِيمِ ، كَمَا أَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ مَوْضُوعِ الطِّبِّ ، فَهُمَا إِنْ دَلَّا عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ فَدَلَالَتُهُمَا لَيْسَتْ فِي أَنْفُسِهِمَا ، وَالْإِتْيَانُ بِعَمَلٍ خَارِقٍ لِلْمَأْلُوفِ فِي الْعَادَةِ مَنْ سُنَنِ الْكَوْنِ هُوَ دُونَ الْإِتْيَانِ بِالْعُلُومِ الْعَالِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالتَّشْرِيعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَعْلِيمٍ ، فَكَيْفَ بِالْإِتْيَانِ بِأَنْبَاءِ الْغَيْبِ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ ؟ فَكَيْفَ بِصَلَاحِ حَالِ مَنْ عَمِلُوا بِهَذِهِ الْعُلُومِ دِينًا وَدُنْيَا ؟ فَالْقُرْآنُ إِذًا بُرْهَانٌ عَلَى أَنَّ مَا فِيهِ مِنَ الطِّبِّ الرُّوحَانِيِّ الِاجْتِمَاعِيِّ وَحْيٌ مِنَ الرَّبِّ الْمُدَبِّرِ الْحَكِيمِ لَا يُمَارِي فِيهِ إِلَّا مُعَانِدٌ مُكَابِرٌ أَوْ مُقَلِّدٌ جَاهِلٌ\". ا.ه[9]
أقول: إنَّ كلَّ خبرٍ يُقطَع بصحته, إذا اجْتمعَ فيه أمران:
شهادةُ أهل الخبرة والاختصاص بصحته وصوابه.
ومجيئُه على الوصف الذي جاء الخبر به.
فأما شهادةُ أهل الخبرة بصحته وصوابه, فسيأتي الحديث عن شيءٍ منه عند الحديث عن شهادة بعض علماء وأطباءِ الغرب في نبينا محمد.
وأما مجيئُه على الوصف الذي جاء الخبر به.
فهو أشهر من أنْ يُحصر, وأغنى مِن أنْ يُذكَر, فكم هي الاكتشافاتُ العلميةُ, التي جاء بها القرآن قبل اكْتشافها, ونطق بها قبل اشْتهارها.
ويكفي أنْ نعلم بأنَّ كثيراً من علماء الغرب في الطِّبِّ والفَلَكِ, قد أسلموا وصدَّقوا بالقرآن الكريم, حين علموا أنْ ما اكتشفوه قد سبقهم به القرآن الكريم.
كعالم الجراحة الفرنسي: مُورِيْسْ بُوكاي.
من هو موريس بوكاي؟!
إنه شامة فرنسا ورمزها الوضَّاء..
وعندما طلبت فرنسا من دولة (مصر) عام: 1981 استضافة مومياء (فرعون مصر) إلى فرنسا لإجراء اختبارات وفحوصات أثرية ومعالجة..
وتم نقله إلى جناح خاص في مركز الآثار الفرنسي , ليبدأ بعدها أكبر علماء الآثار في فرنسا وأطباء الجراحة والتشريح دراسة تلك المومياء واكتشاف أسرارها, وكان رئيس الجراحين والمسؤول الأول عن دراسة هذه المومياء الفرعونية هو البروفيسور موريس بوكاي.
وتحيّر كيف بقيت هذه الجثة دون باقي الجثث الفرعونية المحنطة أكثر سلامة من غيرها, رغم أنها استخرجت من البحر..! كان موريس بوكاي يعد تقريراً نهائيا عما كان يعتقده اكتشافاً جديداً في انتشال جثة فرعون من البحر وتحنيطها بعد غرقه مباشرة , حتى همس أحدهم في أذنه قائلا لا تتعجل فإن المسلمين يتحدثون عن غرق هذه المومياء..
ولكنه استنكر بشدة هذا الخبر , واستغربه , فمثل هذا الاكتشاف لا يمكن معرفته إلا بتطور العلم الحديث وعبر أجهزة حاسوبية حديثة بالغة الدقة.
بينما كتابهم الإنجيل يتحدث عن غرق فرعون أثناء مطاردته لسيدنا موسى عليه السلام دون أن يتعرض لمصير جثمانه البتة .. وأخذ يقول في نفسه : هل يعقل أن يكون هذا المحنط أمامي هو فرعون مصر الذي كان يطارد موسى؟!
وهل يُعْقل أنْ يعرف محمدهم هذا قبل أكثر من ألف عام وأنا للتو أعرفه؟!
وحتى الإنجيل لم يتحدث عن نجاة هذه الجثة وبقائها سليمة.
وقرر أن يسافر إلى المملكة السعودية لحضور مؤتمر طبي يتواجد فيه جمع من علماء التشريح المسلمين..
وهناك كان أول حديث تحدثه معهم عما اكتشفه من نجاة جثة فرعون بعد الغرق.. فقام أحدهم وفتح له المصحف وأخذ يقرأ له قوله تعالى: ﴿فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون﴾.
لقد كان وقع الآية عليه شديدا, فوقف أمام الحضور ويصرخ بأعلى صوته :(( لقد دخلت الإسلام وآمنت بهذا القرآن))
ثم رجع إلى فرنسا بغير الوجه الذى ذهب به .. وهناك مكث عشر سنوات ليس لديه شغل يشغله سوى دراسة مدى تطابق الحقائق العلمية والمكتشفة حديثا مع القرآن الكريم , والبحث عن تناقض علمي واحد مما يتحدث به القرآن ليخرج بعدها بنتيجة قوله تعالى ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ فصلت :43
كان من ثمرة هذه السنوات التي قضاها الفرنسي موريس أن خرج بتأليف كتاب عن القرآن الكريم هز الدول الغربية قاطبة ورج علماءها رجا , لقد كان عنوان الكتاب (القرآن والتوراة والإنجيل والعلم .. دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة).
وقد أُعيدتْ طباعته بمئات الآلاف, بعد أن ترجم من لغته الأصلية (الفرنسية) إلى العربية والإنكليزية والأندونيسية والفارسية.
لينتشر بعدها في كل مكتبات الشرق والغرب.
صدق الله تعالى ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً﴾.
تأمل قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ المؤمنون: 12-14.
هذه الآية نقرأها كثيرًا ولا نجد لها تأثيرًا علينا, لكنها أثرت أثرًا بالغاً على أشهر علماء الغرب في علم الأجنَّة, وهو الطبيب الكندي البروفيسور كيث مور, صاحب الكتاب الشهير, «التطور الإنساني» الذي ترجم إلى أكثر من 25 لغة في العالم ، وقد أعلن إسلامه في العام 1980 بمجرد سماعه لهذه الآية, التي تتناول تكوين الجنين والإنسان, التي سبقت كل العلم والتكنولوجيا منذ قرون مضت.
حيث وجد أن هذه الآيات تطابق تماماً العلم الحديث، فكانت هذه الآيات سبباً في إيمانه ورؤيته نور الحق.
أحد القساوسة في مصر يحكي قصة إسلامه المؤثرة، فهو كان يقول قبل أن يسلم ويتساءل: إذا كنتُ أنا أغفر للناس خطاياهم فمن يغفر لي؟ وإذا كنتُ أعطي للناس المغفرة على ذنوبهم، فمن يغفر لي؟ وبعد ذلك يقول: بينما كنتُ في طريقي إلى السفر في أحد الباصات، إذ بغلام يأتي ويوزع كتيبات عن آيات من القرآن، وأعطاني واحداً منها.
وعلى الفور فتحتُ الكتيب لأنظر ما فيه ووقع نظري على عبارة: (قل هو الله أحد)!!! هذه العبارة غيرت حياتي فيما بعد! لقد أثرت فيّ منذ اللحظة الأولى حتى إنني تركتُ السفر وعدتُ إلى بيتي، وبقيتُ أفكر وأحاول الإجابة عن سؤال واحد: هل يوجد إله غير الله؟
وكانت هذه الآية سبباً في اعتناقي الإسلام.
وصدق الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُرِي عِبَادَهُ مِنَ الْآيَاتِ الْمَشْهُودَةِ, الَّتِي هِيَ أَدِلَّةٌ عَقْلِيَّةٌ, مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْقُرْآنَ حَقٌّ.
ومن أمثلةِ مجيء القرآن على الوصف الذي أخبر به: أنه تحداهم بأن يأتوا بمثله فعجزوا عن ذلك, بل وأخبر أنهم لن يأتوا بمثله.
وقد أثار حفيظتهم, واسْتثار همَّتهم لمعارضته في آياتٍ كثيرةٍ, منها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)﴾.
\"فكَانَ يَتَحَدَّاهُمْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي تُثِيرُ النَّخْوَةَ، وَتُهَيِّجُ الْغَيْرَةَ, مَعَ عُلُوِّ كَعْبِهِمْ فِي الْبَلَاغَةِ, وَرُسُوخِ عِرْقِهِمْ فِي أَسَالِيبِهَا وَفُنُونِهَا، فِي عَصْرٍ ارْتَقَتْ فِيهِ دَوْلَةُ الْكَلَامِ ارْتِقَاءً لَمْ تَعْرِفْ مِثْلَهُ الْأَيَّامُ، حَتَّى كَانُوا يَتَبَارَوْنَ فِيهِ وَيَتَنَافَسُونَ، وَيُبَاهُونَ وَيُفَاخِرُونَ، وَيَعْقِدُونَ لِذَلِكَ الْمَجَامِعَ وَيُقِيمُونَ الْأَسْوَاقَ، ثُمَّ يَطِيرُونَ بِأَخْبَارِهَا فِي الْآفَاقِ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يَتَصَدَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ لِلْمُعَارَضَةِ، وَلَمْ يَنْهَضْ بَلِيغٌ مِنْ مَحافلهم إِلَى الْمُنَاهَضَةِ.
بَلْ إنهم فضَّلوا القتال على القبول بهذا التحدِّي, وَرضوا بِسَفْكِ دِمَائِهِمْ بِأَسْيَافِهِمْ، وَتَخْرِيبِ بُيُوتِهِمْ بِأَيْدِيهِمْ، أَفَلَمْ يَكُنِ الْأَجْدَرُ بِبُلغاءِ قُرَيْشٍ وَفُحُولِهَا، أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى تَأْلِيفِ سُورَةٍ بِبَلَاغَتِهِمُ, الَّتِي كَانُوا يَتَبَارَوْنَ فِيهَا, بِسُوقِ عُكَاظَ وَغَيْرِهَا مِنْ مَجَامِعِ مُفَاخَرَاتِهِمْ، وَيُؤْثِرُوا هَذَا عَلَى سَوْقِ الْجُيوشِ مِنْ صَنَادِيدِهِمْ, إِلَى المدينةِ لِقِتَالِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ آمَنَ بِهِ, فِي بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَوَرَاءَ الْخَنْدَقِ, لَوْ كَانَ ذَلِكَ مُسْتَطَاعًا لَهُمْ؟.
فَلَا شَكَّ أَنَّ اللهَ تَعَالَى, قَدْ رَفَعَ هَذَا الْكَلَامَ إِلَى دَرَجَةٍ لَا يَرْتَقِي الْبَشَرُ إِلَيْهَا.
اللهُ أَكْبَرُ إِنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ \... وَكِتَابَهُ أَقْوَى وَأَقْوَمُ قِيلًا
لَا تَذْكُرُوا الْكُتُبَ السَّوَالِفَ عِنْدَهُ \... طَلَعَ الصَّبَاحُ فَأَطْفَأَ الْقِنْدِيلَا
والعجيب \"أنَّنَا نَجِدُ القرآن, لَمْ يَلْتَزِمْ شَيْئًا مِمَّا كَانُوا يَلْتَزِمُونَ بِسَجْعِهِمْ, وَرَجَزِهِمْ وَأَشْعَارِهِمْ، بَلْ جَاءَ عَلَى النَّمَطِ الْفِطْرِيِّ، وَالْأُسْلُوبِ الْعَادِيِّ, الَّذِي يَتَسَنَّى لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَحْذُوَ مِثَالَهُ، وَلَكِنَّهُمْ عَجَزُوا, فَلَمْ يَأْتُوا وَلَنْ يَأْتِيَ غَيْرُهُمْ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ.
ثُمَّ نُلَاحِظُ أَيْضًا: أَنَّ الْقُرْآنَ بِهَذَا الْأُسْلُوبِ قَدْ تَحَدَّى بِهِ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ مِنَ الْعَرَبِ، عَلَى تَفَرُّقِ دِيَارِهِمْ، وَتَنَائِي أَقْطَارِهِمْ، وَأَرْسَلَ الرَّسُولُ إِلَى الْأَطْرَافِ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، فَعَمَّتِ الدَّعْوَةُ وَبَلَغَتْ مَبْلَغَهَا, وَلَمْ يَنْبَرِ أَحَدٌ لِلْمُعَارَضَةِ, أَلَا يَدُلُّ هَذَا عَلَى نِهَايَةِ الْعَجْزِ وَعُمُومِهِ، وَعَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَهُ فَوْقَ الْقَدْرِ، خَارِقًا لِمَا يَعْتَادُ مَنْ كَسْبِ الْبَشَرِ؟ بَلَى.\"[10]
فهل يبقى لأحدٍ له ذرَّةُ عقلٍ, يرى دلائلَ إعجازِ القرآن طافحةً مُسْتفيضة, ويرى كثيراً من زعماء وعلماء الغرب والشرق, يُذعنون ويُؤمنون به, ثم لا يزال هو في ريبٍ ممّا جاء به القرآنُ, من وعيدٍ وتحذير للمكذبين والمذنبين؟.
هذا القرآن الكريمُ, جاء فيه التحذير من عذابٍ أليمٍ للمكذبين, وتوعد بالنيران للمذنبين والظالمين, فكيف لعاقلٍ يرى مثل هذه الدلائل الواضحة العظيمة, ثم يستمر في غيِّه وضلاله؟.
وأنْقُلُ كلامًا نفيسًا من كتاب النبأ العظيم لمحمد دراز رحمه الله, حيث قال:
\"أيُّ مصلحة للعاقل الذي يدَّعي لنفسه حق الزعامة, ويتحدى الناس بالأعاجيب والمعجزات, لتأييد تلك الزعامة، أيُّ مصلحة له في أن ينسبَ بضاعته لغيره، وينسلخَ منها انسلاخًا؟ على حين أنه كان يستطيع أن ينتحلها فيزداد بها رفعةً وفخامةَ شأن، ولو انتحلها لما وجد من البشر أحدًا يعارضه ويزعمها لنفسه.
الذي نعرفه أن كثيرًا من الأدباء, يسطون على آثار غيرهم فيسرقونها, أو يسرقون منها ما خف حمله, وغلت قيمته, وأمنت تهمته، حتى إن منهم من ينبش قبور الموتى ويلبس من أكفانهم ويخرج على قومه في زينة من تلك الأثواب المستعارة. أما أن أحدًا ينسب لغيره أنفس آثار عقله وأغلى ما تجود به قريحته فهذا ما لم يلده الدهر بعد\".[11]
وقال رحمه الله: من تتبع سيرته الشريفة في حركاته وسكناته، وعباراته وإشاراته، في رضاه وغضبه، في خلوته وجلوته .. لا يشك في أنه كان أبعد الناس عن المداجاة والمواربة، وأن سره وعلانيته كانا سواءً في دقة الصدق وصرامة الحق في جليل الشئون وحقيرها، وأن ذلك كان أخص شمائله وأظهر صفاته قبل النبوة وبعدها، كما شهد ويشهد به أصدقاؤه وأعداؤه إلى يومنا هذا ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
ولْنقدم شيئًا من سيرته المطهرة مُثُلًا واضحة الدلالة, على مبلغ صدقه وأمانته في دعوى الوحي, وأنه لم يكن ليأتي بشيء من القرآن من تلقاء نفسه:
ألم يرجف المنافقون بحديث الإفك عن زوجه عائشة -رضي الله عنها- وأبطأ الوحي، وطال الأمر والناس يخوضون، حتى بلغت القلوب الحناجر، وهو لا يستطيع إلا أن يقول بكل تحفظ واحتراس: \"إني لا أعلم عنها إلا خيرًا\", ثم إنه بعد أن بذل جهده في التحري والسؤال واستشارة الأصحاب، ومضى شهر بأكمله والكل يقولون: ما علمنا عليها من سوء. لم يزد على أن قال لها آخر الأمر: \"يا عائشة، أما إنه بلغني كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله\".
هذا كلامه بوحي ضميره، وهو كما نرى كلام البشر الذي لا يعلم الغيب، وكلام الصديق المتثبت الذي لا يتبع الظن، ولا يقول ما ليس له به علم. على أنه لم يغادر مكانه بعد أن قال هذه الكلمات حتى نزل صدر سورة النور معلنًا براءتها، ومصدرًا الحكم المبرم بشرفها وطهارتها. الحديث أخرجه الشيخان وغيرهما.
فماذا كان يمنعه -لو أن أمر القرآن إليه- أن يتقول هذه الكلمة الحاسمة من قبل ليحمي بها عرضه ويذب بها عن عرينه وينسبها إلى الوحي السماوي لتنقطع ألسنة المتخرصين؟ ولكنه ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله تعالى.
وأخرى كان يجيئه القول فيها على غير ما يحبه ويهواه. فيخطئه في الرأي يراه. ويأذن له في الشيء لا يميل إليه، فإذا تلبث فيه يسيرًا تلقاه القرآن بالتعنيف الشديد، والعتاب القاسي، والنقد المر، حتى في أقل الأشياء خطرًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾ ، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ ، ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ ، ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ ، ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ، ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾.
أرأيت لو كانت هذه التقريعات المؤلمة صادرة عن وُجدانه، معبرة عن ندمه ووخز ضميره حين بدا له خلاف ما فرط من رأيه: أكان يعلنها عن نفسه بهذا التهويل؟
ألم يكن له في السكوت عنها سترًا على نفسه، واستبقاءً لحرمة آرائه؟
بلى.
إن هذا القرآن لو كان يفيض عن وجدانه لكان يستطيع عند الحاجة أن يكتم شيئًا من ذلك الوجدان، ولو كان كاتمًا شيئًا لكتم أمثال هذه الآيات، ولكنه الوحي لا يستطيع كتمانه ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾
وقال رحمه الله: إنها لعجيبة حقًّا: رجل أمي بين أظهر قوم أميين، يحضر مشاهدهم -في غير الباطل والفجور- ويعيش معيشتهم مشغولًا برزق نفسه وزوجه وأولاده، راعيًا بالأجر، أو تاجرًا بالأجر، لا صلة له بالعلم والعلماء؛ يقضي في هذا المستوى أكثر من أربعين سنة من عمره، ثم يطلع علينا فيما بين عشية وضحاها فيكلمنا بما لا عهد له به في سالف حياته، وربما لم يتحدث إلى أحد بحرف واحد منه قبل ذلك، ويُبدي لنا من أخبار تلك القرون الأولى مما أخفاه أهل العلم في دفاترهم وقماطرهم. أفي مثل هذا يقول الجاهلون: إنه استوحى عقله واستلهم ضميره؟ أي منطق يسوغ أن يكون هذا الطور الجديد العلمي نتيجة طبيعية لتلك الحياة الماضية الأمية؟ إنه لا مناص في قضية العقل من أن يكون لهذا الانتقال الطفري سر آخر يلتمس خارجًا عن حدود النفس وعن دائرة المعلومات القديمة.
﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
أي: أني قَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ دهرًا وزمنًا طويلا, مِنْ قبل تلاوته، وقبل درايتكم به، وأنا ما خطر على بالي، ولا وقع في ظني, أَفَلا تَعْقِلُونَ أني حيث لم أتقوله في مدة عمري، ولا صدر مني ما يدل على ذلك، فكيف أتقوله بعد ذلك، وقد لبثت فيكم أربعينَ سنةً, تعرفون حقيقة حالي، بأني أميٌّ لا أقرأ ولا أكتب، ولا أدرس ولا أتعلم من أحد.
فأتيتكم بكتابٍ عظيمٍ أعجز الفصحاء، وأعيا العلماء، فهل يمكن -مع هذا- أن يكون من تلقاء نفسي، أم هذا دليل قاطع أنه تنزيل من حكيم حميد؟
فلو أعملتم أفكاركم وعقولكم، وتدبرتم حالي وحال هذا الكتاب، لجزمتم جزما لا يقبل الريب بصدقه، وأنه الحق الذي ليس بعده إلا الضلال.
وقال رحمه الله: لقد سجل التاريخ هذا العجز على أهل اللغة أنفسهم في عصر نزول القرآن، وما أدراك ما عصر نزول القرآن؟ هو أزهى عصور البيان العربي، وأرقى أدوار التهذيب اللغوي، وهل بلغت المجامع اللغوية في أمة من الأمم ما بلغته الأمة العربية في ذلك العصر من العناية بلغتها، حتى أدركت هذه اللغة أشدها؛ وتم لهم بقدر الطاقة البشرية تهذيب كلماتها وأساليبها؟ .. وما هذه الجموع المحشودة في الصحراء، وما هذه المنابر المرفوعة هنا وهناك؟ إنها أسواق العرب تعرض فيها أنفس بضائعهم وأجود صناعاتهم؛ وما هي إلا بضاعة الكلام، وصناعة الشعر والخطابة، يتبارون في عرضها ونقدها، واختيار أحسنها والمفاخرة بها، ويتنافسون فيها أشد التنافس، يستوي في ذلك رجالهم ونساؤهم، وما أمر حسان والخنساء وغيرهما بخافٍ على متأدب.
فما هو إلا أن جاء القرآن.. وإذا الأسواق قد انفضت، إلا منه، وإذا الأندية قد صَفِرت، إلا عنه، فما قدر أحد منهم أن يُباريَه أو يجاريَه، أو يقترح فيه إبدال كلمة بكلمة، أو حذف كلمة أو زيادة كلمة، أو تقديم واحدة وتأخير أخرى؛ ذلك على أنه لم يسد عليهم باب العارضة بل فتحه على مصراعيه، بل دعاهم إليه أفرادًا أو جماعات. بل تحداهم وكرر عليهم ذلك التحدي في صور شتى، متهكمًا بهم متنزلًا معهم إلى الأخف فالأخف: فدعاهم أول مرة أن يجبئوا بمثله، ثم دعاهم أن يأتوا بعشر سور مثله، ثم أن يأتوا بسورة واحدة مثله، ثم بسورة واحدة من مثله، وأباح لهم في كل مرة أن يستعينوا بمن شاءوا ومن استطاعوا، ثم رماهم والعالم كله بالعجز في غير مواربة؛ فقال: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ، فانظر أي إلهاب، وأي استفزاز! لقد أجهز عليهم بالحكم البات المؤبد في قوله ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ثم هددهم بالنار، ثم سواهم بالأحجار، فلعمري لو كان فيهم لسان يتحرك لما صمتوا عن منافسته وهم الأعداء الألداء، وأباة الضيم الأعزاء، وقد أصاب منهم موضع عزتهم وفخارهم، ولكنهم لم يجدوا ثغرة ينفذون منها إلى معارضته، ولا سُلَّمًا يصعدون به إلى مزاحمته، بل وجدوا أنفسهم منه أمام طود شامخ، فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا \...
حتى إذا استيأسوا من قدرتهم, واستيقنوا عجزهم, ما كان جوابهم إلا أن ركبوا متن الحتوف، واستنطقوا السيوف بدل الحروف. وتلك هي الحيلة التي يلجأ إليها كل مغلوب في الحجة والبرهان، وكل من لا يستطيع دفعًا عن نفسه بالقلم واللسان. ا.هـ
فهذا القرآنُ هو شرفُنا وعزُّنا في الدنيا والآخرة, فقد قال تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى شَرَفِ الْقُرْآنِ، وَمُحَرِّضًا لَنا عَلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ: ﴿لَقَدْ أَنزلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي فيه شرفكم وفخركم وارتفاعكم، إنْ آمنتم بما فيه إيمانًا جازمًا قاطعًا، وامتثلتم ما فيه من الأوامر، واجتنبتم ما فيه من النواهي، ارتفع قدركم، وعظم أمركم، ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أي أفلا تعقلون يا مَن أُنزل عليكمُ القرآنُ ما ينفعكم وما يضركم؟ كيف لا ترضون ولا تعملون بِما فيه شرفكم في الدنيا والآخرة.
أفلا تعقل أيها المسلم, أنّ هذا القرآن هو سعادتك ورفعتُك وحياتُك, فكيف تهجُر قراءتَه, وتتكاسلُ عن العمل به؟.
الواحدُ منّا لو أُعطي وسامَ فخرٍ وشرفٍ, مِن شركةٍ أو مسؤولٍ كبير, لَتفاخر به, ووضعه في واجهة مجلسه, فما بالك - يا عبد الله- يُعطيك ربّك وخالقك أعظمَ وسامِ شرفٍ وفخرٍ لك, ثم لا ترفع به رأسًا, ولا تشعر بقيمته عندك, ووالله إنَّ الله سائلُك عن هذا الشرفِ ماذا عملتَ به: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾.
إنّ القلوبَ الحيّةَ تهتزّ عند سماع القرآن, وتَطْرَبُ الآذان الصاغيةُ عند تلاوته, بل إنّ كثيرًا من الكفار عرف منزلته, وأذعن لإعجازه, فهذا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ, الذي كان من أعظم الصَّادين عن الدين والإسلام, ومن أعظم الكفار عنادًا وكفرًا, جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَكَأَنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا جَهْلٍ فَأَتَاهُ، فَقَالَ: يَا عَمِّ، إِنَّ قَوْمَكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَجْمَعُوا لَكَ مَالًا.
قَالَ: لِمَ ؟ قَالَ: لِيُعْطُوكَهُ، فَإِنَّكَ أَتَيْتَ مُحَمَّدًا لِتَعْرِضَ لِمَا قِبَلَهُ.
قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي أَكْثَرُهَا مَالًا.
قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أَنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ.
قَالَ: وَمَاذَا أَقُولُ ؟ فَوَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمُ بِرَجَزِهِ وَلَا بِقَصِيدِهِ مِنِّي، وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَوَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُهُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُوَ وَلَا يُعْلَى، وَإِنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ.
قَالَ: لَا يَرْضَى عَنْكَ قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ.
قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ.
فَلَمَّا فَكَّرَ قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يُؤْثِرُ, يَأْثُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ, فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.
ولم يتجرأ أنْ يستخرج منه خطأً لُغَوِيًّا أو بلاغيًّا أو غيرَ ذلك, وإنما لجأ إلى الإنكار والْجحد, وهي حيلة الجبان الضعيف.
أَتَى بِكِتَابٍ أَعْجَزَ الخلقَ لَفْظُهُ \... فَكلُّ بَلِيْغ عُذْرُهُ صَارَ أَبْكَمَا
تَحَدَّى بِهِ أَهْلَ البلاغَةِ كُلَّهم \... فلم يَفْتَحوا فِيْمَا يُعَارِضُهُ فَمَا
حَوَى كُلَّ بُرهَانٍ عَلى كُل مَطْلَب \... وَيَعْرِفُ هَذَا كُلُّ مَنْ كَانَ أَفْهَمَا
هذا القرآن الكريم, مَحفوظٌ بحفظ الله تعالى له, منذ أنْ تكلّم به ربّ العزة والجلالة إلى وقتنا, لم يتغيّر منه حرفٌ واحد.
ومِمَّا يزيد القلب يقينًا وإيمانًا, ما عثرت عليه جامعة برمنجهام في بريطانيا من نسخةٍ للقرآن الكريم يُعتقد أنها الأقدم على الإطلاق.
واختبرت المخطوطة التي يبلغ عمرها 1370 سنة في مختبر جامعة أُوكسفورد, وأظهرت النتائج أنها كتبت على جلد الغنم, أو الماعز, بينما يتوقع أن تعود المخطوطة للفترة الزمنية 568 أو 645
وهو ما قد يجعلها من أقدم نسخ المصحف في العالم.
ويحدد هذا الفحص عمر المخطوط بنسبة دقة تصل إلى 95 في المئة، ويشير إلى أن النص الموجود على هذه الجلود يعود تاريخ كتابته إلى الفترة ما بين 568 و645 ميلادي.
ويقول البروفسور ديفيد توماس، الأستاذ المختص في المسيحية والإسلام: إن \"هذه النصوص قد تعيدنا إلى السنوات الأولى من صدر الإسلام\".
إذ تشير السيرة النبوية إلى أن الوحي أنزل، على الرسول محمد، بين 610 و632 ميلادي، وهو تاريخ وفاته.
ويضيف البروفيسور توماس أن \"العمر التقديري لمخطوط برمنغهام يعني أنه من المحتمل جدا أن كاتبه قد عاش في زمن النبي محمد\".
وأكمل \"أن الشخص الذي كتب هذه الصفحات لابد أنه عرف النبي محمد، وربما رآه واستمع إلى حديثه، وربما كان مقربا منه، وهذا ما يستحضره هذا المخطوط\".
وأشار إلى أن \"هذه الأجزاء من القرآن التي كتبت على هذه الرقائق، يمكن، وبدرجة من الثقة، إعادة تاريخها إلى أقل من عقدين بعد وفاة النبي محمد\".
وأضاف: \"أن هذه الصفحات قريبة جدا من القرآن الذي نقرأه اليوم، وهو ما يدعم فكرة أن القرآن لم يعرف إلا تغييرا طفيفا، أو أنه لم يطرأ عليه أي تغيير[12]، ويمكن إعادة تاريخها إلى لحظة زمنية قريبة جدا من الزمن الذي يعتقد بنزوله فيه\".
وبقيت صفحات القرآن الكريم غير مكتشفة لمدة عقد من الزمن تقريبا إلى أن اختارت باحثة تجري رسالة الدكتوراه إجراء اختبار الكربون المشع على المخطوطة للتعرف عليها أكثر وكانت النتائج مذهلة.[13]
ونحن لا نحتاج إلى مثل هذه الحقائق, فإن ما عندنا من الحقائق القطعية الأخرى أكبر وأكثر من هذا, ولكن نستأنس بهذه المخطوطة التي تُثبت أن هذا القرآن الذي بين أيدينا لم يتغير منذ نزوله إلى يومنا.
وهذا القرآن العظيم قاد كثيرًا من الكفار إلى الإيمان به, حينما تأملوا فيه وفي بلاغته وإعجازِه, وفيما يأمرهم وينهاهم.
ذكر القرطبيُّ رحمه الله في تفسيره بسنده, عن يَحْيَى بْنِ أَكْثَمَ قال: دَخَلَ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ مَجْلِسَ الْمَأْمُونِ, حَسَنُ الثَّوْبِ, حَسَنُ الْوَجْهِ, طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، فتكلم فأحسن الكلام والعبارة, فلما انتهى الْمَجْلِسُ وخرج الناسُ, دَعَاهُ الْمَأْمُونُ فَقَالَ لَهُ: إِسْرَائِيلِيٌّ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ لَهُ: أَسْلِمْ حَتَّى أَفْعَلَ بِكَ وَأَصْنَعَ، وَوَعَدَهُ.
فَقَالَ: دِينِي وَدِينُ آبَائِي! فأبى أنْ يُسلم وَانْصَرَفَ.
قَالَ: فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ جَاءَنَا مُسْلِمًا، فَتَكَلَّمَ في الْفِقْهِ فَأَحْسَنَ الْكَلَامَ، فَلَمَّا انتهى الْمَجْلِسُ وخرج الناسُ, دَعَاهُ الْمَأْمُونُ وَقَالَ: أَلَسْتَ صَاحِبَنَا بِالْأَمْسِ؟ قَالَ لَهُ: بَلَى. قَالَ: فَمَا كَانَ سَبَبُ إِسْلَامِكَ؟ قَالَ: انْصَرَفْتُ مِنْ حَضْرَتِكَ, فأحببت أن أمتحن هذه الأديان، وأنت مع ما تراني حسنُ الْخَطِّ، فَعَمَدْتُ إِلَى التَّوْرَاةِ, فَكَتَبْتُ ثَلَاثَ نُسَخٍ فَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ، وَأَدْخَلْتُهَا الْبِيَعَةَ فَاشْتُرِيَتْ مِنِّي، وعمدت إلى الإنجيل, فكتبتُ ثَلَاثَ نُسَخٍ فَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ، وَأَدْخَلْتُهَا الْكَنِيسَةَ فَاشْتُرِيَتْ مِنِّي، وَعَمَدْتُ إِلَى الْقُرْآنِ, فَعَمِلْتُ ثَلَاثَ نُسَخٍ وَزِدْتُ فِيهَا وَنَقَصْتُ، وَأَدْخَلْتُهَا الْوَرَّاقِينَ فَتَصَفَّحُوهَا، فَلَمَّا أَنْ وَجَدُوا فِيهَا الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ, رَمَوْا بِهَا فَلَمْ يَشْتَرُوهَا، فَعَلِمْتُ أَنَّ هَذَا كِتَابٌ مَحْفُوظٌ، فَكَانَ هَذَا سَبَبُ إِسْلَامِي. قَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: فَحَجَجْتُ تِلْكَ السَّنَةَ, فَلَقِيتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ فَذَكَرْتُ لَهُ الْخَبَرَ فَقَالَ لِي: مِصْدَاقُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
قَالَ قُلْتُ: فِي أَيِّ مَوْضِعٍ؟ قَالَ: فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ:\" بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ\"، فَجَعَلَ حِفْظَهُ إِلَيْهِمْ فَضَاعَ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ:\" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ\" فَحَفِظَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا فَلَمْ يَضِعْ.[14] ا.هـ
وبعد هذا, هل يُمكن أنْ يكون هذا القرآن من عند أحدٍ غير الخالق الجليل عز وجل؟
كلا, بل هو من عند الحكيم الحميد, قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
\"أَيْ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ فِي عُلُوِّ شَأْنِهِ ، الْمُحَلَّى لَهُ فِي أُسْلُوبِهِ وَنَظْمِهِ ، وَعُلُومِهِ الْعَالِيَةِ ، وَحِكْمَتِهِ السَّامِيَةِ ، وَتَشْرِيعِهِ الْعَادِلِ ، وَآدَابِهِ الْمُثْلَى ، وَتَمْحِيصِهِ لِلْحَقَائِقِ الْإِلَهِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ ، وَإِنْبَائِهِ بِالْغُيُوبِ الْمَاضِيَةِ وَالْآتِيَةِ ، وَجَعْلِ الْمَقْصِدِ مِنْ إِصْلَاحِهِ مَا بَيَّنَهُ آنِفًا مِنَ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالْهُدَى ، وَاجْتِنَابِ الضَّلَالِ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى ، وَالِاعْتِمَادِ فِيهِمَا عَلَى الْعِلْمِ الصَّحِيحِ - مَا كَانَ وَمَا صَحَّ وَلَا يُعْقَلُ أَنْ يَفْتَرِيَهُ أَحَدٌ عَلَى اللهِ مِنْ دُونِهِ وَيُسْنِدَهُ إِلَيْهِ ; إِذْ لَا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ ، فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ بَشَرًا يَسْتَطِيعُ الْإِتْيَانَ بِمِثْلِهِ ، فَلَنْ يَكُونَ إِلَّا بَشَرًا أَرْقَى وَأَكْمَلَ مِنْ جَمِيعِ الْحُكَمَاءِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَكَذَا الْمَلَائِكَةِ وَمِثْلُهُ لَنْ يَفْتَرِيَ عَلَى اللهِ ، بَلْ قَالَ أَشَدُّ الْكُفَّارِ عِنَادًا وَعَدَاوَةً لِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللهُ : إِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَكْذِبْ عَلَى بَشَرٍ قَطُّ أَفَيَكْذِبُ عَلَى اللهِ ؟ ! .
(وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ وَلَكِنْ كَانَ تَصْدِيقَ الَّذِي سَبَقَهُ مِنَ الْوَحْيِ لِرُسُلِ اللهِ تَعَالَى بِالْإِجْمَالِ كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى صَلَّى الله عَلَيْهِمْ بِدَعْوَتِهِ إِلَى أُصُولِ دِينِ اللهِ الْإِسْلَامِ ، الَّتِي دَعَوْا إِلَيْهَا مِنَ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ ، بَعْدَ أَنْ نَسِيَ بَعْضُ ذَلِكَ بَقَايَا أَتْبَاعِهِمْ وَضَلُّوا عَنْ بَعْضٍ ، وَشَوَّهُوهُ بِالتَّقَالِيدِ الْمُبْتَدَعَةِ مِمَّا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ مُحَمَّدٌ الْأُمِّيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -\".[15]
إنّ هذا القرآن هو شفاءٌ من أمراض القلوب والحيرة والأحزان. قال تعالى: «قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وهو شفاءٌ من أمراض السحر والعين وغيرها.
قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وهو لذّةٌ وأُنسٌ لقارئه وحافظه.
ولذا تجد أهلَ القرآن من أسعد الناس, ويجدون لذةً عجيبةً في قيامهم الليل.
قال يحيى بن أبي كثير رحمه الله: والله ما رجل خَلَى بأهله عروساً, أقرَّ ما كانتْ نفسُه وآنسَ ما كان, بأشدَّ سروراً منهم بمناجاته إذا خلوا به.[16]
وكان ثابت البناني رحمه الله يقوم الليل ويقول: ما شيء أجده في قلبي ألذ عندي من قيام الليل.[17]
هذه بعض ثماره وآثارِه.
وإنّ الذي لم يذق حلاوته لم يذق الحلاوةِ الحقّة, ومن لم يستمدّ منه سعادته فلن يجدها في غيرِه.
نسأل الله تعالى أنْ يرفعنا بالقرآن, وأنْ يُعزّنا بالإسلام, إنه جوادٌ كريم.
[8] إسلام ويب: رقم الإستشارة: 110750
[9] تفسير المنار 1/226 , مع بعض التصرف اليسير.
[10] تفسير المنار 1/ 203-204
[11] النبأ العظيم: 17
[12] وهو الصواب بلا مرية.
[13] نُشر الخبر في مواقع كثيرة, منها صحيفة: بي بي سي, بتاريخ: 22 يوليو/ تموز 2015, وجريدة الرياض, يوم الأربعاء: 6شوال 1436, عدد: 17194
[14] تفسير القرطبي 10/ 6
[15] تفسير المنار: 11/309
[16] موسوعة ابن أبي الدنيا 1/303
[17] موسوعة ابن أبي الدنيا1/277