تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا أقف مع أخطاءٍ يَرْتَكبها الكثير ممن يُحاور ويُناقش أحداً يُخالفه:

1- أن يجعل منطلق الحوار والنقاش من الأشياء التي تشكل على خصمِه, ويحتج بها, بل ينبغي له أنْ يبدأ معه من الأساس ومن أول نقطة, ثم يتسلسل معه حتى يصل إلى مكان إشكاله.

فإذا بدأ نقاشه معه مع أشياء يُسلّم بها, ويُقرّ بصحتها: سهل إقناعه في الأمور التي يعترض عليها.

فلا ينبغي عند مُناقشة الملحدين ومن شابههم الاستدلال عليهم بأدلة الكتاب والسنة, فهم لا يُؤمون بها, ولو لم يُنكرها صراحةً, بل ينبغي أنْ يكون الاستدلال بالمنطق والعقل.

وفي هذا يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَى لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ، وَكَانَ الدَّلِيلُ عِنْدَ الْخَصْمِ مُتَنَازَعًا فِيهِ: فَلَيْسَ عِنْدَهُ بِدَلِيلٍ؛ فَصَارَ الْإِتْيَانُ بِهِ عَبَثًا لا يفيد فائدة ولا يحصل مقصودًا، ومقصودُ الماظرة رَدُّ الْخَصْمِ إِلَى الصَّوَابِ بِطَرِيقٍ يَعْرِفُهُ..

فَلَا يُؤْتَى فِيهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ يُقِرُّ الْخَصْمُ بِصِحَّتِهِ شَاءَ أَمْ أبى. ا.ه[6]

2- أنْ يناقش خصمه دون وضع قانونٍ وطريقةٍ يتفق عليها هو والطرف الآخر, وإلا لأصبح الحوار مُبعثراً مُشتَّتاً, لا يخرجان بنتيجةٍ في النهاية.

3- أنْ يُناقشه عن الأمور الفرعية, بل الأولى أنْ يتركها, ويطلب منه أنْ يُرجئ الأمور الفرعية والجزئية, ويجعل النقاش في الأمور الكلِّيَّة والأساسية, التي غالباً ما يتفقان عليها.

4- وأنْ يكون بجوٍّ متوتِّرٍ, وبأسلوبٍ جافٍّ أو فيه سرعةٌ وحماسٌ شديد, بل ينبغي أن يكون النقاشُ بجوٍّ مليءٍ بالهدوء, ويكون الطرح والنقاش بهدوءٍ أيضاً.

ولْيحتمل ما يسمعه من تجاوزات أو كلام سيّء, ولْيُداره ويصبر عليه.

قال الشاطبي رحمه الله تعالى: الْأَدَبُ فِي الْمُنَاظَرَةِ أَنْ لَا يُفَاجِئَ بِالرَّدِّ كِفَاحًا دُونَ التَّقَاضِي بِالْمُجَامَلَةِ وَالْمُسَامَحَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ سَبَأٍ: 24 .

وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ الزُّخْرُفِ: 81 .

﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ هُودٍ: 35 .

وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ الزُّمَرِ: 43 .

﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ﴾ الْمَائِدَةِ: 104 .

لِأَنَّ ذَلِكَ أَدْعَى إِلَى الْقَبُولِ وَتَرْكِ الْعِنَادِ وَإِطْفَاءِ نَارِ الْعَصَبِيَّةِ.. ا.ه[7]

5- أنْ يكون قصد المحاور إفحام خصمه, وهذا لا ينبغي أنْ يشعر ويحسّ به الطرف الآخر الذي لا يكون داعيةً إلى بدعته, ولم يُعرف عنه العناد والشر, بل ينبغي أنْ يُوضح لمن يُحاوره أنه يقصد رحمته, وأنه مشفقٌ عليه كما هو الواقع حقيقةً.

***

[6] الموافقات: 5/415

[7] الموافقات: 2/ 167

قصصي مع الملحدين والمشككين والموسوسين · الصفحة ٤٩

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

قصصي مع الملحدين والمشككين والموسوسينص ٤٩