القصةُ الثالثة: قصةُ صاحب الوسواس القهري:
اتصل عليّ رجلٌ شاكيًّا ما آلت إليه حالُه من الوسواس القهري, وكيف تنكدّت حياتُه بسببه, حتى إنه يُعيد الوضوء والصلاة مرارًا وتكرارًا, بسبب شكه بنسيان شيءٍ من أركان الوضوء أو الصلاة, بل إنَّ الوسواس تجاوز إلى أعظم من ذلك, وهو شكه بأنه كفر بالله تعالى!
فقلت له: اعلم أنّ هذا المرض منتشرٌ بين الكثير من الناس, وأصابهم بالأمراض الخطيرة, حتى ببعضهم حدّ الجنون والانتحار, وهو داءٌ إن لم تُسارع بعلاجه فإنه سيزداد ويعظم, وحينها يصعُبُ علاجُه, ويندُر شفاؤه.
ولقد مرتْ عليّ حالاتٌ كثيرةٌ مثل حالتك وأشدّ, وبفضل الله تعالى تمّ علاجُها بالكليّة, وشُفي أصحابُها ولله الحمد والمِنَّة.
أحدُهم كان يقول لي: إذا مشيت بالسيارة أسير برفق خشية أن أصطدم بقِطٍّ أو حشرة, ولا يُمكن أنْ أرجع بالسيارة إلى الخلف, مخافة أن أطأ شيئًا منها.
وأخرى تقول لي: بأني أمكث بالحمام ساعة أو ساعتين للوضوء! حتى إني تعبت من ذلك, فقررت يومًا أن أترك الوضوء والصلاة من شدة المعاناة والآلام التي أجدها.
فقلت لها مُباشرةً: هناك سريرٌ بمستشفى المجانين ينتظرك! فصرخت وقالت: لماذا؟
قلت: لِمَا أراه من حالك الذي سيؤول إليه إن استمر وضعك على ذلك, فالموسوس لا يقف عند حدّ معين, بل يزداد وسوسةً وشكًّا وحيرةً يومًا بعد يوم.
قالت: وما الحل؟
قلت: إنْ كنت عازمةً على الشفاء والسلامة فاتبعي ما أقول لك..
ثم ذكرت لها الخطوات التي سأذكرها إن شاء الله تعالى.
فقلت لهذا الرجل: فإنْ شئت أنْ تُشفى وتعيش براحةٍ وطُمأنينةٍ فاتّبع النصائح التالية:
أولاً: أنْ تستعيذ بالله تعالى من الشيطان الرجيم من حين ما تُوسوس أو تشك في أمر من الأمور, أو في عبادة من العبادت, أو في ذات الله تعالى, ثم انصرف ولا تلتفت إلى ما شككت فيه مهما قوي شكّك.
ولذلك قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: \" يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ\". متفق عليه[46]
ثانيًا: اعلم أنّ الوسواس ضعيفٌ, وما أصبح قويًّا إلا بسبب ضعف إيمان وعلمِ الموسوس, فهو من كيد الشيطان, وقد قال تعالى عنه: ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفًا﴾.
فلذا لابدّ من تقوية الإيمان ليضعف الوسواس, ولابد من التحصن بالعلم والقرآن ليمنع دخول الشكوك والوساوس إلى القلب.
ثالثًا: أن الشيطان - وهو الذي يُسبب الوساوس- قد عزم على إغوائنا وإضلالنا, وأخبر الله تعالى عن سعيه في إغواء العباد، وتزيين الشر لهم والفساد, وأنه قال لربه مقسمًا: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
وقد علم الشيطان نعوذ بالله منه أنه لا يقدر على إغواء جميع عباد الله، وأنَّ عباد الله المخلَصين ليس له عليهم سلطان، وإنما سلطانه على من تولاه، وآثر طاعته على طاعة مولاه. فلذلك اسْتثناهم بقولِه: ﴿إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.
وذلك أنه حينما تكبر على الله تعالى وعصى وبغى, طرده تعالى من الجنة جزاءً لصنيعِه, فعزم على إغواء بني آدم حتى لا يدخل النار وحده, وحتى يُعارض حكمة الله تعالى في خلق بني آدم, الذي خلقهم للإصلاح والعبادة بإرادتهم وطوعهم, بخلاف الملائكة الذين ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
ولذلك قال لله تعالى مُتحدّيًا إيَّاه, مُقسمًا على أغْوائِنا وإضلالِنا: ﴿رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (84) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (85)﴾.
أَيْ بِسَبَبِ إِغْوَائِكَ إِيَّايَ، أَيْ بِسَبَبِ أَنْ جعلْتَنِي غَاوِيًا فَسَأُغْوِي النَّاسَ.
ثم اسْتثنى الْمُخلَصين الصالحين, الذي أبوا طاعته, والرضوخ لوسوستِه.
ثم هدّده الله هو ومن أطاعه واتّبع هواه بأن يملأ جهنم منهم.
فاحذر أنْ تكون مِمَّن انقاد لإبليس اللعين, فتُحشر معهم في نار الجحيم, فإنه لن يقف عند حدّ الوسواس المتعلق بالصلاة والوضوء ونحوه, بل لن يهدأ حتى يراك كافرًا مشركًا, تراكًا للصلاة والطاعة.
كيف لا, وهو الذي سعى لإغواء الناس بكلّ الطرق والسبل, حتى إنه قال: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾.
ولقد ظنّ إبليس أنّ من الناس من سيتّبعُه ويسير على وفق ما خُطّط, فلذلك قال تعالى : ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله: \"أي: حَقَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ انْخَدَعُوا لِوَسْوَسَتِهِ, فَهُوَ لَمَّا وَسْوَسَ لَهُمْ ظَنَّ أَنَّهُمْ يُطِيعُونَهُ, فَجَدَّ فِي الْوَسْوَسَةِ حَتَّى اسْتَهْوَاهُمْ فَحَقَّقَ ظَنَّهُ عَلَيْهِمْ\". ا.ه[47]
رابعًا: إذا علمت أنَّ الوسواس والشك من الشيطان, ليُنغص عليك حياتك وعبادتك, فكن على اليقين أنّه غيرُ ناصحٍ لك, فإذا وجدت في نفسك شكًّا في عبادةٍ ونحوها فقل كما أحدُ السلف الصالح حِيْنَمَا دخل المسجد فوسوس لَهُ الشيطان وقال له: أحدثتَ بعد وضوئك، فقال لَهُ: وَقَدْ بلغ هَذَا من نصحك؟
وصدق رحمه الله, فهل الشيطان سينصح لك ويُذكرك ما ينفعك؟
لا, بل إنه لا همّ له إلا إشغالك وغمّك, وإبطال عبادتك.
خامسًا: أنك تأثم إذا أعدت وضوءك أو قطعت صلاتك شكًّا ووسوسةً.
فكيف تتقرب إلى الله تعالى بما يُخالفه ولا يُحبّه؟
وإذا دخلت الحمام فلا تغسل إلا الفرج فقط بعد البول ثلاث مرات ، وإذا وسوس لك الشيطان فلا تلتفتْ أبدًا له, ثم أكمل وضوءك, وصلاتُك صحيحة.
واعلم أنّ الزيادة في الوضوء على ثلاث من تعدي حدود الله, وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
وتوضأ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مرة مرة, ومرتين مرتين, وثلاثا ثلاثا, وقال: \"من زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم\".
ولا تلتفتْ إلى خروج الريح منك بعد الوضوء, وعليك بالصلاة مباشرة.
واحذر أنْ تُعيد وتكرر أيّ كلمةٍ في الصلاة ، بل أكمل صلاتك واعتقد أنَّهَا صحيحة.
فلا تُكرر الفاتحة ولا التكبيرة ولا قراءة سورة مع الفاتحة, وأما ما ورد فيه التكرار كالتسبيح في الركوع وفي السجود فلا بأس بالتكرار.
سادسًا: أن الشك بعد العبادة لا يُلتَفت إليه.
فإذا توضأت ثم شككت في عدم غسل أحد أعضائك فلا تلتفتْ إلى الشك, ولن يُؤاخذك الله بذلك أبدًا, بل سيُحاسبك لو الْتفت للشك وأعدت الوضوء.
وهكذا في كلّ العبادات.
قال العلامةُ ابن عثيمين رحمه الله: اعلم أن الشكَّ لا بُدَّ فيه من معرفة ثلاث قواعد:
القاعدة الأولى: إذا كان الشكُّ بعد انتهاء الصَّلاة، فلا عِبْرَة به إلا أن يتيقن النقص، أو الزيادة.
مثال ذلك: بعد أن سَلَّمَ شَكَّ هل صَلَّى ثلاثاً أم أربعاً؟ نقول: لا تلتفت لهذا الشكِّ، فلا تسجد للسَّهو، ولا ترجع لصلاتك، لأن الصلاة تمَّت على وَجْهٍ شرعي، ولم يوجد ما ينقض هذا الوجه الشَّرعي، فالمصلِّي لما سَلَّمَ لا إشكال عنده أن الصَّلاة تامَّة وبرئت بها الذِّمَّةُ، فورود الشكِّ بعد أن برئت الذِّمَّة لا عِبْرَة به.
ومثال ذلك: لو شَكَّ في عدد أشواط الطَّواف بعد أن فرغ من الطَّواف، هل طاف سبعاً أم ستًّا؟ فلا عِبْرَة به، فلا يَلتفت إليه؛ لأنه فَرَغَ من الطواف على وَجْهٍ شرعي فبرئت به الذِّمَّة، فورود الشَّكِّ بعد براءة الذِّمَّة لا يُلتفت إليه.
ومثله أيضاً: لو شَكَّ في عدد حصى الجِمَار بعد أن فَرَغَ وانصرف، فلا يَلتفت إليه؛ لأنه بفراغ العبادة برئت الذِّمَّة، فورود الشَّكِّ والذِّمَّة قد برئت لا يُلتفت إليه.
القاعدة الثانية: إذا كان الشَّكُّ وهماً، أي: طرأ على الذِّهن ولم يستقر، كما يوجد هذا في الموسوسين، فلا عِبْرَة به أيضاً، فلا يلتفت إليه، والإِنسان لو طاوع التوهم لتعب تعباً عظيماً.
القاعدة الثالثة: إذا كَثُرت الشُّكوك مع الإِنسان حتى صار لا يفعل فِعْلاً إلا شَكَّ فيه، إنْ توضأ شَكَّ، وإنْ صَلَّى شَكَّ، وإن صام شَكَّ، فهذا أيضاً لا عِبْرَة به؛ لأن هذا مرض وعِلَّة، والكلام مع الإِنسان الصَّحيح السَّليم مِن المرض، والإِنسان الشكّاك هذا يعتبر ذهنه غير مستقر فلا عِبْرَة به. ا.ه[48]
سابعًا: أنّك على يقين أنّ الوسواس والشك أصابك بالقلق والمشقة والحرج, ودين الله وشرعُه تعالى لا مشقة فيه, قال تعالى: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
وما أنت فيه عسرٌ لا يُسر, ودين الله لا عسر فيه, قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
فكن على يقينٍ بأنّ ما تفعله من الوسواس في العبادات ليس هو من دين الله, بل أنت بهذا تُخالف مراد الله بك, وهو الرحمة واليسر.
ثامنًا: أنْ تشتغل بما ينفعك, وخاصةً القراءة النافعة المفيدة, فهي من أعظم أسباب انصرافك عن الوسواس.
هذه أهم الأسباب التي بها - بعد الله تعالى- تُعالج جميع الوساوس التي تمرّ عليك.
وإنّي ضامنٌ لك إذا عملتَ بِهَا أنْ تُشْفى وترى العافية والراحة والسعادة.
***
[46] البخاري (3276 ), ومسلم (134).
[47] التحرير والتنوير: 22/ 183
[48] الشرح الممتع: 3/ 379