القصةُ الرابعة: قصةُ امرأةٍ تعتقد أنها مُصابةٌ بالمسّ:
اتّصل عليّ أحدُ الأقارب قائلاً: لي صديقٌ أُصيبت زوجته بوسواسٍ شديد مُفاجئ, واضطراباتٍ وقلّة نومٍ.
فلم أشأ أنْ أردّه, وأنا لا أقرأُ على الناس, ولكنْ لا ينبغي لمن طُلب منه القراءة - وخاصَّةً من الأقارب والأصدقاء- أنْ يردّهم.
فجاء إليّ الرجلُ مُصْطَحِبًا زوجته المسكينة, وهي في حالةٍ يُرثى لها, حيث كانت تنتفض وترتجف بشدّة, وتشعر بأنها مُصابةٌ بتلبّس الجنيّ بها, فبدأتُ أسْأَلُها عن حالتها, ومتى طرأ عليها هذا المرض.
فما إنْ بدأ الحديث حتى كادت تجهش بالبكاء!
فطلبتُ منها أنْ تتوقف عن الحديث وقلت لها:
لقد سمعت كلامك, وتأملتُ في تصرّفاتك, فما أظن الذي بك إلا وسواسٌ وخوفٌ, قد يكون له سببٌ تعرفينه أو لا تعرفينَه.
واعلمي أنّك كلمّا تماديت في الخوف والوسوسة فإنه سيزداد عليك, ويُصبح هذا المرض اليسير العارضُ: مرضًا شديدًا مُزمنًا.
والشياطين تحوم حول الخائفين, ألم تسمعي إلى ما قاله ربنا تعالى وهو أصدق القائلين عن الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ قال ابن كثير رحمه الله تعالى: أي: كنا نرى أن لنا فضلا على الإنس؛ لأنهم كانوا يعوذون بنا، إي: إذا نزلوا واديا أو مكانا موحشا من البراري وغيرها كما كان عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان، أن يصيبهم بشيء يسوؤهم كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم، ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴾ أي: خوفا وإرهابا وذعرا، حتى تبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم، وازدادت الجن عليهم بذلك جراءة. ا.ه
وذكر بعضُ السلف أنّ الجن كانوا يَخافون من الإنس كما يَخاف الإنس منهم أو أشد، وكان الإنس إذا نزلوا واديًا هَرَب الجن، ولكنّ البشر بعد ذلك أصبح عندهم خوفٌ من الجن, فإذا نزلوا مكانًا قالوا: نعوذ بسيد أهل هذا الوادي.
فقال الجن: نراهم يَخافون منا كما نخافُ منهم! فتجرّؤوا عليهم, حتى أصابوهم بالخبل والجنون.
فكلمّا خفت من الجن تسلّطوا عليك, وهذا أمرٌ معروفٌ ملموس.
وسوف أقرأ عليك بثلاثة شروط:
الأول: أنْ تثقي بأنك لست مُصابةً بمسّ, وقراءتي لك من باب التبرك بالقرآن, فهو شفاءٌ من كلّ الأمراض بإذن الله تعالى, وليس خاصًّا بأمراض السحر والعين.
الثاني: أنْ تتدبري في الآيات التي سأتلوها عليك, فتدبُّرُها من أعظم أسباب زوال الهموم والخوف والأمراض النفسيّة وغيرها.
الثالث: أنْ تتوكلي على الله تعالى, وأنه هو الشافي الكافي, وأنّه هو القادر على شفاء مرضك, وعلاج مُشكلتك.
ثم بدأت القراءة عليها مُرتّلاً القرآن, بهدوءٍ وسكينة, فلمّا انتهيتُ رمقتُ يديها فإذا الرعشة زالت عنها, والخوف والقلق خف عليها.
فسألتها عن حالتها أثناء القراءة وبعدها.
فقالت: شعرتُ بالراحة والطمأنينة والحمد لله.
فقلت لها: هل شعرت بآلامٍ واضطرابات؟
قالت: لا.
قلت: هذا من أكبر الأدلة على أنك سالمةٌ من أمراض السحر والعين, وإنما أنت مُصابةٌ بمرض يسير, ربما يكون سببُه نقصًا في بعض فيتامينات الجسم, أو موقف قاسٍ مرّ عليك.
فقامت من عندي بحالةٍ غير تلك الحالة التي دخلتْ بها عليّ.
فأيقنت من هذا الموقف وغيرِه من المواقف الْمُشابهة بأنّ الوسواس من أخطر الأمراض, وأنّ الكثير من الرقاة يُخطئون في التعامل مع هؤلاء, فيظنون أنهم مُصابون بالمس أو العين, حيث إن أعراضهما متشابهة.
وأنا على يقينٍ بأني لو لم أُهدّئ من روعها, وأُسكّن من وسواسِها, وقرأتُ عليها دون المقدّمة التي ذكرتُها لها, وبدأت القراءة ونفثتُ عليها بصوتٍ مُبالَغٍ فيه: لصُرعت وصرخت, وازداد ارْتعاشُها وتوتّرها, فأصبح قراءةُ القرآن وبالاً عليها, لا شفاء لها, ولأصبحتُ مُسيئًا لا مُحسنًا, ومُمْرضًا لا مُداويًا.
وهذه قصةٌ أخرى فيها عبرةٌ وعظة: حضر عندي رجلٌ مُقيّد الأطراف, ومعه أخوه بعضده, فقال : أرجو أن تقرأ عليّ, فأنا مُصابٌ بمسٍّ.
فقلت: من أخبرك بهذا؟
قال: بعض الرقاة.
فقلت: لا عليك من فلان وعلاّن, سأقرأ عليك وسيتبيّن من القراءة ما بك.\
فقرأت عليه, فلمّا انتهيتُ أخبرتُه بأنّ مُصابٌ بالوسواس, وأنه قد يكون بك مرضٌ حسيّ وأنت لا تعرف, فنصيحتي أنْ تذهب للمستشفى لِتكشف عن جسمك.
فوالله ما إنْ سمع هذا الكلام, حتى أزال هو بنفسه الرباط الذي عليه, وقام يمشي بنفسه!
وأخبرني أخوه بعد ذلك بأنهم ذهبوا للمستشفى, فلمّا خرجت التحاليل وجدوه مُصابًا بسرطان الدّم!!
ثم تُوفي بعدها بقليل.
والمسكين يظنّ أنّه مُصابٌ بمسٍّ, فترك العلاج, واقتصر على الرقاة, فليتهم نصحوه من القراءة بالذهاب للمستشفى, فهذا لا يُعارض القراءة والرقية.
وهذا لا يعني أنّ الراقاة على هذا المنهج, بل الكثير منهم - جزاهم الله خيرًا- يسيرون على المنهج الصحيح في التعامل مع المرضا, ويُوجهونهم أحسن توجيه.