تحريم تلاوة القرآن للاستجداء وسؤال المخلوقين كما يفعله بعض القراء الذين يتلون القرآن في أبواب المساجد ليعطيهم الناس صدقة ولا يدل على تحريم تلاوة القرآن بالأجرة لا بالمطابقة ولا بالالتزام ولا بالتضمن ولا بالمفهوم ولا بالمنطوق واحتجوا بحديث أبي سعيد مرفوعاً عند أبي نصر والبيهقي (تعلموا القرآن واسألوا به الجنة قبل أن يتعلمه قوم يسألون به الدنيا فإن القرآن يتعلمه ثلاثة نفر رجل يباهى به ورجل يستأكل به ورجل يقرأه نذراً) (1).
والجواب أن هذا الحديث لا يدل على تحريم أخذ الأجرة على تلاوة القرآن ولا يصدق على من يأخذ أجرة على تلاوة القرآن التي قد دلت على جوازها الأدلة الصريحة الصحيحة التي سيأتي ذكرها في آخر هذا الجواب كحديث " إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله" (2) وغيره من الأحاديث الدالة على جواز أخذ الأجرة على تلاوة القرآن الكريم التي سيأتي بعضها إن شاء الله وأقرب من يحمل عليه الأكل بالقرآن ويصدق عليهم هذا الحديث هم الذين يحرفون القرآن عن موضعه ويقلبون معانيه كالخوارج والباطنية والقرامطة وغلاة الصوفية كابن عربي الذي جعل العذاب الأليم من العذوبة ومن الملائمة وغيرهم ممن حرف القرآن عن معانيه وفسره بما ينافي مدلوله العربي لينالوا عند المتبعين لهم الرتب العلية والأموال الكثيرة وقد نص على معنى جميع ما ذكرته العلامة المجتهد الكبير محمد بن إسماعيل الأمير رحمه الله في " إقامة الحجة والبرهان " رداً على شيخه العلامة محمد حيوة السندي المدني الذي حرم أخذ الأجرة على تلاوة القرآن. إذا عرفت هذا عرفت أن من تلا كلام الله مريداً وجه الله وأخذ أجرة على تفريغ ساعات من وقته للتلاوة ووهب أجر تلاوته لعبد من عبيد الله فإنه لا يعد ممن يتآكل بكلام الله. ولا يقول هذا من له أدنى إلمام بالمعارف العلمية بعد إقرار الرسول لأخذ أجرة الرقية بالقرآن وجعله - صلى الله عليه وسلم - تعليم بعض آياته مهراً للزوجة كما قاله العلامة الأمير قدس الله سره ونور ضريحه.
وهكذا احتج المانعون لأخذ الأجرة على تلاوة القرآن بحديث عبادة أنه قال قلت يا رسول الله إن رجلاً أهدي إلي قوساً ممن كنت أعلمه الكتاب لأرمي به في سبيل الله قال "إن كنت تحب أن تطوق طوقاً من نار فاقبلها" (3) أخرجه أبو داود وابن ماجة.
وأجيب عنه بأن الحديث ضعيف لأنه من رواية مغيرة ابن زياد عن عبيد بن نسي وقد قال فيه الإمام أحمد أنه ضعيف له مناكير وقد أخرج من طرق أخرى كلها معلولة وعلى فرض أنه صحيح فلعل النبي لم يقل هذا القول إلا لأن عبادة علم القرآن جماعة من أهل الصفة الفقراء مبتغيا بتعليمهم وجه الله فلما أراد أخذ القوس أخبره النبي بأنه أخذ شيئاً لا في مقابله شيء وأنه سيبطل به ما جعله لله خالصاً فيأثم بقبوله.
وعلى فرض أن هذا التأويل بعيد فليس فيه دلالة على تحريم أخذ الأجرة على تلاوة القرآن وإنما قد يدل على تحريم أخذ الأجرة إلى مقابل تعليم الأخذ المأخوذ منه القرآن وهذه مسألة أخرى وهي مسألة هل يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن أو لا يجوز أخذها وقد أجاز أخذ الأجرة إلى مقابل تعليم القرآن عطاء ومالك والشافعي والقاسم وأبو ثور وجمهور من العلماء
(1) شعب الإيمان. حديث رقم (2630) بلفظ: عن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (تعلموا القرآن وسلوا به الجنة قبل أن يتعلم قوم يسألون به الدنيا فإن القرآن يتعلمه ثلاثة رجل يباهي به ورجل يستأكل به ورجل يقرأ لله - عز وجل -).
(2) سبق ذكره في هذا الباب من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في البخاري برقم (5296).
(3) سنن أبو داود: كتاب البيوع: باب في كسب العلم. حديث رقم (2964) بلفظ: عن عبادة بن الصامت قال: (علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله - عز وجل - لآتين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلأسألنه فأتيته فقلت يا رسول الله رجل أهدى إلي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله قال إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها). صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (3416).
أخرجه أحمد في باقي مسند الأنصار 21632.