تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم سمع بعضهم لغة بعض فأخذ هؤلاء عن هؤلاء وهؤلاء عن هؤلاء. وذلك رأى الجمهور من العلماء.

4- إثباته مطلقا من وضع واحد أو متعدد، واعتبار الضد معنى مشتقا من أصل الوضع؛ فالأصل لمعنى واحد ثم تدخل على جهة الاتساع. وأصحاب هذا الرأي يعتلون لذلك بإمكان رجوع الضدين إلى باب واحد في الاشتقاق أحيانا، كقولهم: الصريم، يقال لليل وللنهار؛ لأن كليهما ينصرم من الآخر، فأصل المعنيين من باب واحد وهو القطع. وهذا المذهب كما ترى جدلي، ونظم القائلين به من علماء الكلام.

والذي عندما في ذلك أن التضاد ليس قديما في اللغة، ولا هو من سنن الوضع عند العرب؛ لأنه لا تمس إليه الحاجة الطبيعية، وليس في كل ما ورد من ألفاظه لفظة واحدة تفتقر إليها اللغة، فلا بد أن يكون أصله حادثا في زمن النهضة التي تقدمت الإسلام حين اختلطت القبائل وانصرف العرب إلى زينة المنطق والتملح في الكلام، فهو تفنن تدخله بعض القبائل في لغتها وتتوسع به لإحدى المناسبات المرهونة بأوقاتها، ثم يعرفون به ويمضون عليه في التعبير فيثبت في ميراث القبيلة في اللغة. ومما يرجح ذلك أن الألفاظ التي يتحقق فيها معنى التضاد الطبيعي قليلة: كالسدفة للضوء والظلام، والصريم لليل والنهار، والجنون للأبيض والأسود، والسجود للانحناء والانتصاب، ونحوها؛ وقليل منها منسوب للقبائل التي استعملته على وجهيه.

أما أكثر ما يعدونه من الأضداد فمعظمه حادث في الإسلام، اقتضاه تصرفهم في اللغة على ضروب من الإشارة والإيجاز؛ فهو تفنن محض لا يرجع إلى الوضع الواحد ولا المتعدد، بل يكاد يعد نوعا من البديع أو الصناعات اللفظية1؛ ومن يقرأ كتاب "الأضداد" لأبي بكر بن الأنباري ويتدبر معاني ما فيه, ويعتبر نسبة الشواهد التي جاء بها يتحقق ما ذهبنا إليه؛ وقد رأيناهم ربما اختلفوا في تفسير الكلمة فعدوا ما يقتضيه الاختلاف من التضاد أمرا واقعا في حقيقة المعنى، كاختلافهم في معنى "أشد" من قولهم: بلغ فلان أشده؛ فإن منهم من يفسرها ببلوغ ثماني عشرة سنة، ومنهم من يقول ببلوغ أربعين أو ثلاث وثلاثين، وبهذا الاختلاف المتناقض يعدون اللفظة من باب الأضداد

....

وربما تزيد بعض أهل اللغة فيتوسع في تفسير الكلمة بالمعنيين المتضادين ليدل بذلك على اتساع علمه، كقول بعضهم في "الضد" نفسه: إنه يقع على معنيين متضادين، يقال: فلان ضدي، أي: خلافي، وهو ضدي أي: مثلي. قال ابن الأنباري: وهذا عندي قول شاذ لا يعمل عليه؛ لأن المعروف من كلام العرب: العقل ضد الحمق، والإيمان ضد الكفر؛ والذي ادعى من موافقة "الضد" للمثل لم يقم عليه دليلا تصح به حجته.

تاريخ آداب العرب · الجزء ١ · الصفحة ١٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ آداب العربج ١ · ص ١٣٠