تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنواع النمو في اللغة

تلك هي طرق الوضع التي سلكوا منها إلى اللغة في كل أطوارها، حتى أصبحت من الاتساع والنمو ما هي، ولكن لهذا النمو أنواعا تحدد في جملتها أجزاء هذه اللغة، وتصف تاريخ اتساعهم فيها، وهي من هذه الجهة تعتبر تماما على الذي تقدم وتفصيلا له؛ وتلك هي: الإبدال، والقلب، والنحت، والترادف، والاشتراك، والتضاد، والمداخلة بالتعريب، والتوليد؛ ونحن نوفيها حظها من الكلام على مقدار حظها من التاريخ.

الإبدال:

وهو إبدال الحروف وإقامة بعضها مقام بعض، كما يقولون: مدح، ومده: واستعدى عليه، واستأدى.

وقد أسلفنا في الكلام على أصل الوضع أن الدورة الجديدة التي دارت بها الحروف بعد وضع المقاطع الثنائية، كانت بالقلب والإبدال؛ والدليل على ذلك أن أكثر ما يجري فيه الإبدال من اللغة إنما هو الألفاظ الطبيعية الأولى التي كانت من حاجة الإنسان أدل عهده بالتعبير: كالقطع، والكسر، والهدم، والشق، والخرق، والفرقة، والتبديد؛ وهي المعاني الوحشية في لغة الإنسان. ثم لما انقاد الوضع بهذه الطريقة لأهل اللغة، جعلوها من سنتهم وقلبوا عليها الألفاظ الأخرى مما ليس بسبيل من تلك المعاني؛ والغريب أن فعل القطع يكاد يكون الأصل في أكثر هذه اللغة؛ فقلما تناولت مادة إلا رأيت أثره المعنوي فيها، ولو تأويلا من طريق المجاز؛ وهذه أيضا مما يؤكد أن اللغة نطق عن الطبيعة.

ثم إن الإبدال من حيث اعتبار الوضع اللغوي فيه، نوعان: الأول أن يكون لغات مختلفة لمعان متفقة: كلعلني ولألني. وإن فعل، وهن فعل، ونحوها مما مر في اختلاف اللهجات؛ فيختلف اللفظان للأسباب اللسانية في القبائل المختلفة، ثم تحفظ صورة كل لفظ على أنها لغة، فلا تشترك العرب في النطق بالصورتين تعمدا منها لتعويض حرف من حرف، إنما يقول هذا قوم وذاك آخرون، وقد سأل اللحياني أعرابيا. أتقل: مثل حنك الغراب، أو مثل حلكه؟ فقال: لا؛ أقول مثل حلكه. وسأل أبو حاتم أم الهيثم الأعرابية: كيف تقولين أشد سوادا مماذا؟ فقالت: من حلك الغراب. فقال: أفتقولينها من حنك الغراب؟ قالت: لا أقولها أبدا.

والنوع الثاني ما يتعدد فيه الوضع في لغة القبيلة الواحدة، فتقوم كل من الصورتين بمعنى لا يصح استعمال الأخرى فيه، وعلى هذا النوع يتوقف نمو اللغة واتساعها، كقولهم: لطمه: ضربة بكفه مفتوحة؛ ولذمه: ضربه بشيء ثقيل يسمع صوته؛ ولثم أنفه: لكمه؛ ورثمه: كسره؛ ورضم به الأرض: ضرب؛ وكذلك مما يرجع إلى معنى الأكل: قضم أي: أكل بأطراف أسنانه، أو أكل يابسا؛

تاريخ آداب العرب · الجزء ١ · الصفحة ١٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ آداب العربج ١ · ص ١٢٢