لا توجد إلا صيغتان ثقيلتان من صيغ الفعل، هذه وزنهما: فعال، وهفعال؛ ولكن العرب يستعملون المجهول في كل الأوزان، ماضيا ومضارعا. وقد فاتوا بذلك لغات الدنيا جميعا.
وتجد العبرانية أيضا قليلة الأوزان في الفعل المجرد والمزيد بحيث لا تكافئ العربية في ذلك "وقد أسلفنا في موضع تقدم أن صيغة المشاركة التي هي صيغة اقتصادية، مما انفردت العربية به" وإنما وضعت الأوزان لتنمية المعاني وسياستها على وجوهها المختلفة سياسة اقتصادية.
ذلك فضلا عما امتازت به العربية من العذوبة التي كأنها شباب الحياة ورقتها بجانب ذلك الهرم الذي تولى العبرانية، حتى كأن ألفاظها من اللبس والتعقيد أيام الكهولة بأقدارها
....
ومما لاشك فيه أن فقدان ذلك السبب الاقتصادي في العبرانية هو الذي ابتلاها بالفقر من نوابغ الكتاب والخطباء لضيق مضطرب التعبير، حتى كأنما ينفذ المتكلم بها إلى أغراضه من صدوع ومضايق، وفي هذا العسر كله
....
ولما انتفى ذلك في العربية واستوفت وجوه السياسة الاقتصادية في صيغها وألفاظها، كثر شعراؤها وكتابها وخطباؤها "اللغويون"1 إلى حد ترك رجال سائر الأمم عند الترجيح، في كفة شائلة.
وهنا أصل طبيعي يحسن التنبيه إليه؛ لأنه ثبت لما نحن بصدد منه، وذلك أن التثنية وهي أخص مظاهر الحياة في الطبيعة، لا أثر لها في اللغة السريانية، وهي في العبرانية مقصورة على معناها الطبيعي أو ما يكون في حكمه، فلا يثنون إلا ما وجد اثنين في الطبيعة، كاليدين والرجلين إلخ، أو ما أنزله الاستعمال هذه المنزلة، كالنعلين مثلا، ولكنها في العربية عامة لكل الأسماء؛ لأن العدد نظام طبيعي عام لا يتخلف، ومنه الإفراد والتثنية ودرجات الجمع من الثلاثة فصاعدا2.
بقي علينا أن نذكر شيئا من أسرار النظام في هذه اللغة غير ما سبق لنا بيانه، وهو الصلة بين طرفي التمدن اللغوي الذين هما الحرية والنمو، وقد مضى الكلام عليهما فيما تقدم.