تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفصل الثاني: العرب

هم جيل من الناس تدلت عليه الشمس منذ القدم في هذه الجزيرة, التي كأنها قطعة انخزلت من السماء مع الإنسان الأول، فلا يزال أهلها أبعد الناس منزعا في الحرية الطبيعية، وأشدهم منافسة في مغالبة الهمم، كأنما ذلك فيهم ميراث الطبيعة الأولى، فهم منه ينبتون وعليه يموتون.

سكان الفيافي وتربية العراء، ينبسطون مع الشمس ويفيئون مع الظل ويطيرون في مهب الهواء، بل أولاد السماء، ما شئت من أنوف حمية، وقلوب أبية، وطباع سيالة، وأذهان حداد، ونفوس منكرة؛ وقد أصبحت بقاياهم الضاربة في بوادي العربية ومصر وسورية لهذا العهد، موضع العجب لأهل البحث من علماء الطبائع، حتى أجمعوا على أنه لا ند لهذا الجنس في جميع السلائل البشرية، من حيث الصفات التي تتباين فيها أجناس البشر خلقا وخلقا، وحتى صرح بعضهم بأن هذه السلالة تسمو على سائر الأجيال، بالنظر إلى هيئة القحف وسعة الدماغ وكثرة تلافيفه وبناء الأعصاب وشكل الألياف العضلية والنسيج العظمى وقوام القلب ونظام نبضاته. فضلا عما هي عليه من ملاحة السحنة وتناسب الأعضاء وحسن التقاطيع ووضوح الملامح، وفضلا عما في طباعها من الكلام والأنفة والأريحية وعزة النفس والشجاعة.

لا جرم كانوا أهل هذه اللغة المعجزة التي ناسبتهم بأوضاعها في معاني التركيب، حتى كأنما كتب لها أن تكون دين الألسنة الفطري، لتصلح بعد ذلك أن تكون لسان دين الفطرة.

تاريخ آداب العرب · الجزء ١ · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ آداب العربج ١ · ص ٣٠