9.10 الباب التاسع في كشف أسرارهم
[9.28]
ومن أعظم ما وقفت عليه ما جرى للسلطان الملك العادل نور الدين زنكي رحمه
~~الله حديث يصلح يكتب بماء الذهب وذلك أن بعض العجم جاء إلى دمشق فأخذ ألف
~~دينار مصرية فبردها برادة ثم أخذ لها دق فحم وعقاقير مجمعة وطحن الجميع ثم
~~عجنه بغراء السمك ثم جعله بنادق وجففه جفاف بالغ ثم لبس دلق وتزايا بزي
~~الفقراء وجعل تلك البنادق في مخلاة ثم أتى إلى بعض العطارين وقال له تشتري
~~مني هذا فقال وأيش هو هذا قال طنزبك خراساني وهذه طنزبك معناها طنز بك قال
~~العطار هذه أيش تنفع فقال تنفع من السموم وتجوز في جميع الأدوية التي تدفع
~~الأخلاط وله نفع عظيم ولولا قد أدركني أوان الحاج وما أقدر على حمله ما
~~أبعته فإنه يسوى وزن بوزن عند من يعرفه فقال العطار بكم هو قال عشرة دراهم
~~فقال له ثلاثة فأبى فاشتراها منه بخمسة دراهم ثم جعله في برنية وأخذ العجمي
~~الدراهم وراح فانظر إلى هذا الرجل ما أجسره أباع ألف مثقال ذهب بخمسة دراهم
~~فهذه جسارة عظيمة
[9.29]
وقد قال القائل من خاطر بنفيس ملك نفيس ثم انفصل عنه ولبس أنزه ما يرى من
~~ملابس الوزراء وخلفه مملوك واكترى دارا تصلح لوزير أو قاضي وصار يتمشى في
~~الجامع ثم يتعرف بالكبراء من أهل البلد ويعمل السماعات ويخسر جملة ويدعي
~~الوصول في علم الصنعة وأنه يقدر يعمل في يوم واحد جملة مال وشاع ذلك في
~~دمشق فسألوه الكبراء أن يعمل عندهم فكان يقول أنا ما احتاج إلى أحد أنا في
~~يوم واحد أعمل بمقدار نعمة الذي يريدني أعمل عنده فأيش حاجتي إليه فإن كان
~~من أجل مكان أعمل فيه فأقدر أشتري عشرة بساتين ومثلها دور وإن كان من أجل
~~جاه فأنا ما أعمل شيء علي فيه درك لأن الذي أعمله ما هو زغل ولا فيه غش
~~فأطلب به جاه أحد هذه صنعة إلاهية وأنا آليت أن لا أعمل شيء إلا لملك مع
~~أني ما أعمل شيء حتى يحلف لي أنه مهما عملت لا ينفقه إلا في الغزاة في سبيل
~~الله تعالى
[9.30]
وتم على ذلك فاتصل خبره بالوزير المزدقاني فأحضره وآنسه ولاطفه مدة حتى
~~صار بينهما صحبة ثم فاتحه في مثل ذلك فقال والله يا سيدي قد كان مني ومن
~~أمري أني حلفت أن لا أعمل شيء إلا لملك بعد أن يعاهدني أنه لا ينفق مما
~~أعمله شيء إلا في الغزاة في سبيل الله عز وجل فإن حصل هذا عملت وإلا لا
~~سبيل إلى عمل شيء على غير الوجه فلما سمع الوزير ذلك أفكر وقال والله إن
~~هذه سعادة للمسلمين وللسلطان فهذه البلاد كلها للإفرنج إلى بانياس وكل يوم
~~الغارة تصل إلى داريا فإذا عملت شيئا نفتح به هذه البلاد وهذه نعمة عظيمة
[9.31]
ثم قال له أعرف السلطان ذلك قال نعم إلى أن تجمع بيني وبينه حتى تستوثق
~~منه أن يفعل ما قلت فقال نعم ثم ركب الوزير من الغد إلى الخدمة فاختلى
~~بالسلطان ثم عرفه ذلك فقال والله لقد هدس في فكري أن لا بد من شيء يوصلنا
~~إلى قلع شأفة هذه الملاعين فأحضر الرجل في غاية الكرامة فأخذ له خلعة حسنة
~~وبغلة مسرجة ملجمة ثم أحضره وألبسه الخلعة وأركبه إلى جانبه ثم صعدوا
~~واجتمع به السلطان ثم تحدثا فقال صحيح ما قال الصاحب قال نعم يا مولانا إلا
~~أن الشرط وقف عليه السلطان قال نعم وهو الذي نفعله فقال الرجل حكم مولانا
~~أن كل من ادعى هذه الدرجة كاذبين وكالين دكاكين يدكوا في كل شيء أنا شيء
~~واحد أقوله لمولانا السلطان شرطي أن لا أمس بيدي شيئا بل أكون بعيد عن
~~مولانا وأقول افعل كذا أو كذا ومولانا يفعل فلما تقرر الأمر على هذه
~~القاعدة قال له السلطان بسم الله أشرع على بركة الله
[9.32]
فأخذ العجمي ورقة وكتب لهم استدعاء الحوائج فقال من العقار الفلاني كذا
~~ومن العقار الفلاني كذا وذكر عقاقير شتى ثم قال من الطنزبك الخراساني مائة