26 الفصل السادس والعشرين باب واحد في كشف أسرار الذين يدبون على المردان في السماعات وفي الأفراح وفي الأسفار وغيرها
[26.1]
اعلم أن هذه الطائفة يتنمسون بالفقر ثم يحضرون السماعات وفي الأفراح وفي
~~الأسفار وقد كنت في مدينة أنطاكية من الروم وقد عمل بعض التجار سماع فدعاني
~~فيه وكان من أهل إسكندرية فحضرنا وكان قد جاء إلى المدينة رجل من أهل حران
~~ومعه ولد عمره خمسة عشر سنة لم يكن في عصره أحسن منه ومعه مملوكه تركي اسمه
~~أيبك ويلقب بالأغيد يضاهي ابن أستاذه في الحسن وكان الصبي مغني بالدفوف
~~والشبابات وقد أفتن أهل البلد بحسنه وحسن غنائه وحسن المملوك وكان لا يعمل
~~السماع إلا بمائة درهم سلطانية وكان التاجر قد تلف به وبذل شيء كثير ولم
~~يصل إليه فعند ذلك صار يعمل السماعات رجاء أن ينال منه غرض ولم يصل إلى شيء منه
[26.2]
فلما كان تلك الليلة عمل السماع وأحضرني فلما طاب الشغل ودار السماع جعل
~~ينقط بخمسة سلطانية خلف خمسة إلى أن نقطه بجملة ولم يزل كذلك إلى وقت الصبح
~~فلما عزموا على النوم والراحة قام المغني أخذ مملوكه وجعله مع الحائط وجعل
~~ابنه إلى جانبه ونام الشيخ في جنب ابنه وناموا الناس فلم يبق فيهم إلا من
~~قد غرق في النوم قام الإسكندري ودب إلى عند رجل المغاني وأنا ألاحظه ثم نام
~~لحظة ثم قعد وأخرج من وسطه حق فيه قطنة مسقاة لا أعلم ما فيها ثم إنه مسح
~~بها أنوف الجماعة من المغاني
[26.3]
ثم أخرج من وسطه ظرف صغير فجعله بين المملوك وبين الصبي ثم جعل رأس الظرف
~~إلى عنده وجعل في رأسه أنبوبة نحاس ونفخ في تلك الأنبوبة فكلما صار في
~~الظرف شيء من الريح قد أخلى بين الصبي وبين المملوك إلى أن أخذ ذلك الظرف
~~حقه من الريح وقد صار بين الصغير وبين المملوك مكان يسع من يريد ينام
~~بينهما فلما فعل ذلك صبر لحظة ثم ترك رأس الظرف إلى أن خلا من الريح ثم
~~جمعه ورده إلى مكانه ثم أخرج صنارة على مثال مخالب القصاب ثم علق بها ذيل
~~الصبي وعلقها إلى حلوقه فبقي الصبي مكشوف إلى نصفه ثم أخرج حق ثاني وأخرج
~~دهن دهن به مشق الصبي ثم إنه جعل نفسه بين الصبي وبين المملوك واستعمل
~~الصبي مرتين ثم عدل إلى المملوك وفعل به كما فعل بالصبي ولم يزل على هذه
~~الصفة إلى باكر ثم انسل من بينهم بعد ما مسحهما ثم ربط حززهما ثم انسل إلى موضعه
[26.4]
فلما صار فيه قلت له صحة صحة هناك فقال وأنت منتبه فقلت نعم لأنك أنت
~~استأجرتني ليلة وما كان يمكنني النوم فقال الحمد لله الذي لم يطلع على حالي
~~أحد غيرك فقلت له والله لقد كان من حقي عليك المواساة فقال المائدة منصوبة
~~والطعام حاضر بسم الله فقلت من عادتي أن لا آكل فضلة ولا نوالة فقال ليلة
~~بعد أغدا نعمل سماع وتكون أول من يقعد على المائدة فقلت والله إلى ذلك
~~الوقت يكون سيدنا قد جاع وقد حلت له الميتة فضحك وقمنا إلى أشغالنا فهذا
~~أعجب ما رأيت من صناعة من يدب على المردان وإنما كان مرادي أن أذكر ذلك
~~لأجل أني لم يفتني شيء ولم أترك شيء فافهم ذلك