ظن كثير ان ذلك من مسائل الاجماع فأنكره لان دليل الاجماع لا يخص اهل المدينة ممن سواهم بل هو شامل للأمة
واعلم ان الاجماع إنما هو الاتفاق على الامر الديني عن اجتهاد مالك رحمه الله لم يعتبر عمل اهل المدينة من هذا المعنى وإنما اعتبره من حيث اتباع الجيل بالمشاهدة للجيل إلى ان ينتهي إلى الشارع صلى الله عليه وسلم وضرورة اقتدائهم بعين ذلك يعم الملة ذكرت في باب الاجماع الابواب بها من حيث ما فيها من الاتفاق الجامع بينها وبين الاجماع الا ان اتفاق اهل الاجماع عن نظر واجتهاد في الادلة واتفاق هؤلاء في فعل أو ترك مستندين إلى مشاهدة من قبلهم ولو ذكرت المسئلة في باب فعل النبي صلى الله عليه وسلم وتقريره أو مع الادلة المختلف فيها مثل مذهب الصحابي وشرع من قبلنا والاستصحاب لكان اليق
ثم كان من بعد مالك بن انس محمد بن إدريس المطلبي الشافعي رحل إلى العراق من بعد مالك ولقي اصحاب الامام أبي حنيفة واخذ عنهم ومزج طريقة اهل الحجاز بطريقة اهل العراق واختص بمذهب وخالف مالكا رحمه الله في كثير من مذهبه
وجاء من بعدهما أحمد بن حنبل وكان من علية المحدثين وقرأ اصحابه على أصحاب الامام أبي حنيفة مع وفور بضاعتهم من الحديث فاختصوا بمذهب آخر ووقف التقليد في الامصار عند هؤلاء الاربعة ودرس المقلدون لمن سواهم وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد ولما خشي من اسناد ذلك إلى غير أهله ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه فصرحوا بالعجز والاعواز وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء كل من اختص به من المقلدين وحظروا ان يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب ولم يبق الا نقل مذاهبهم وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الاصول واتصال سندها بالرواية لا محصول اليوم للفقه غير هذا ومدعي الاجتهاد