تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ غير متبرجت ﴾: أصل التبرج: التكلف في إظهار ما يخفى من الأشياء ومادة (تبرج) تدل على الظهور والانكشاف، ومنه بروج مشيدة وبروج السماء، والمراد بالتبرج في الآية: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال قال تعالى:

ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى

[الأحزاب: 33].

قال الزمخشري: فإن قلت: ما حقيقة التبرج؟ قلت: تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قولهم: سفينة بارج أي لا غطاء عليها، والبرج سعة العين يرى بياضها محيطا بسوادها كله، لا يغيب منه شيء إلا أنه اختص بأن تنكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها.

المعنى الإجمالي

يقول جل ثناؤه ما معناه: يا أيها المؤمنون الذين صدقوا بالله ورسوله وأيقنوا بشريعة الله نظاما، ودستورا، ومنهاجا، ليستأذنكم في الدخول عليكم هؤلاء العبيد والإماء الذين تملكونهم بملك اليمين، والأطفال الذين لم يبلغوا مبلغ الرجال من الأحرار فلا يدخلوا عليكم في هذه الأوقات الثلاثة (وقت الفجر) و(قت الظهر) و(وقت العشاء) إلا بإذن منكم لأن هذه الأوقات أوقات خلودكم إلى النوم والراحة، وهي أوقات يختل فيها تستركم، والتكشف فيها غالب، فعلموا عبيدكم وخدمكم وصبيانكم ألا يدخلوا عليكم في مثل هذه الأوقات إلا بعد الاستئذان، وأما في غير هذه الأوقات فلا إثم ولا حرج عليكم ولا عليهم في الدخول بغير إذن، لأنهم يقومون على خدمتكم والله لا يكلفكم ما فيه حرج أو ضيق عليكم، لأن تشريعه من أجل صالحكم وهو جل وعلا العليم الحكيم.

وأما إذا بلغ هؤلاء الأطفال مبلغ الرجال فعلموهم الأدب السامي ألا يدخلوا عليكم إلا بعد الاستئذان كما أمر الكبار من قبل، وذلك هو أدب الإسلام الذي ينبغي أن يتمسك به المؤمنون، وأما النساء العجائز اللاتي لا يرغبن في الزواج ولا يطمع فيهن الرجال لكبرهن وقد انعدمت فيهن دوافع الشهوة والفتنة والإغراء، فلا حرج ولا جناح عليهن أن يضعن بعض ثيابهن كالرداء والجلباب ويظهرن أمام الرجال بملابسهن المعتادة التي لا تلفت انتباها، ولا تثير شهوة.

وإذا بالغن في التستر والتعفف ولبسن الجلباب الذي تلبسه الشابات من النساء فذلك خير لهن وأكرم، وأزكى عند الله وأطهر، والله يعلم خفايا النفوس، ومجاز كل إنسان على ما قدم فاتقوه واجتنبوا سخطه وعقابه.

سبب النزول

أولا: روي أن أسماء بنت أبي مرثد دخل عليها غلام كبير لها في وقت كرهت دخوله فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فأنزل الله تعالى: ﴿ يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمنكم... ﴾ الآية. وروي عن مقاتل بن حيان أنه قال: بلغنا أن رجلا من الأنصار وامرأته (أسماء بنت أبي مرثد) صنعا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما، فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا؟ إنه ليدخل على المرأة وزوجها غلامهما وهما في ثوب واحد بغير إذن، فأنزل الله في ذلك هذه الآية يعني بها العبيد والإماء.

ثانيا: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاما من الأنصار يقال له (مدلج) إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فوجده نائما، قد أغلق عليه الباب فدق عليه الغلام الباب فناداه ودخل فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء، فقال عمر (وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا، وخدمنا عن الدخول في هذه الساعات إلا بإذن) ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد أنزلت فخر ساجدا شكرا لله تعالى.

قال الألوسي: وهذا أحد موافقات رأيه الصائب رضي الله تعالى عنه للوحي.

ثالثا: وروى ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات، فيغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة فأمرهم الله تعالى أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن فذلك قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين ءامنوا ليستأذنكم... ﴾ الآية.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٢٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٢٨٠