تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لطائف التفسير

اللطيفة الأولى: قال تعالى: ﴿ والصلحين من عبادكم وإمائكم ﴾ فيه إشارة إلى قيمة التقى والصلاح في الإنسان.

فلا يكرم الإنسان لماله أو جاهه، وإنما يكرم لدينه وصلاحه كما قال تعالى:

والعاقبة للمتقين

[القصص: 83].

قال الزمخشري: (فإن قلت لم خص الصالحين؟ قلت: ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم ولأن الصالحين من الأرقاء هم الذين يشفق عليهم مواليهم وينزلونهم منزلة الأولاد في الأثرة والمودة. فكانوا مظنة للتوصية بشأنهم والاهتمام بهم، وأما المفسدون فحالهم عند مواليهم على عكس ذلك). اللطيفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله ﴾ في هذه الآية وعد من الله تعالى بإغناء من سلك طريق الزواج وقصد إعفاف نفسه به. وقد نقل عن عدد من الصحابة أنهم فهموا ذلك حتى قال أبو بكر: (أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى) وعن عمر وابن عباس: (التمسوا الرزق بالنكاح).

فإن قيل: فنحن نرى كثيرا من الفقراء يتزوجون ويستمر فقرهم ولا يستغنون ونرى من كان غنيا فيتزوج يصبح فقيرا؟ فالجواب: أن هذا الوعد مشروط بالمشيئة كما في قوله تعالى:

فسوف يغنيكم الله من فضله إن شآء

[التوبة: 28] ومما يدل على إضماره أن الله تعالى ختم الآية بقوله: ﴿ والله وسع عليم ﴾ ولم يقل (واسع كريم) وهذا يفيد أنه تعالى يعلم مصلحة عباده فيبسط لمن يشاء ويقدر لمن يشاء، حسب الحكمة والمصلحة. وقد ورد (إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد حاله)... وحكمة هذا الربط بين (الغنى والنكاح) أنه قد يخيل إلى بعض الناس أن الأولاد والذرية سبب الفقر حتما وأن عدمهم سبب لكثرة المال جزما، فأريد قلع هذا الخيال من الأوهام، بأن الله قادر على إغناء العبد مع كثرة عياله، وإفقاره ولو كان عزبا في داره، ولا أثر للزواج في فقر الإنسان ولا للعزوبة في غناه فالله هو الرزاق ذو القوة المتين وصدق الله

ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب

[الطلاق: 2-3].

اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ﴾ في الآية دعوة للشباب الذين لا يتيسر لهم أمر الزواج بإعفاف النفس حتى يهيئ الله لهم أسبابه فهو على سبيل (المجاز) أو تقدير مضاف أي لا يجدون أسباب النكاح أو استطاعة النكاح أو المراد بالنكاح: ما ينكح به من المال.

قال الشهاب: فإن (فعالا) يكون صفة بمعنى مفعول، ككتاب بمعنى مكتوب، واسم آلة كركاب لما يركب به، وهو كثير كما نص عليه أهل اللغة.

اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ وآتوهم من مال الله ﴾ فيه إشارة لطيفة إلى أن المال الذي في أيدي الأغنياء إنما هو وديعة عندهم، استخلفهم الله عليها ليحسنوا التصرف فيها

وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه

[الحديد: 7] فالمالك الحقيقي هو الله رب العالمين، وليس الغني مالكا للمال حقيقة وإنما هو مؤتمن عليه وهو وديعة بين يديه.

اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ إن أردن تحصنا ﴾ جملة معترضة فائدتها (التشنيع والتقبيح) على السادة في ارتكاب هذه الرذيلة والإكراه عليها، فالأصل في الأمة المملوكة أن يحصنها سيدها إذا مالت نحو الفجور، أما أن يدعوها إلى عمل الفاحشة وتأبى وتمتنع وتريد العفة، فذلك منتهى الخسة والدناءة منه. فالأمة في هذه الحالة خير من السيد، لأنها آثرت التحصن على الفاحشة وهي أشرف من السيد وأطهر.

قال أبو السعود: فإن من له أدنى مروءة لا يكاد يرضى من يحويه حرمه من إمائه فضلا عن أمرها به أو إكراهها عليه لا سيما عند إرادة التعفف فليس هو إذا " للقيد أو الشرط " وإنما هو لبيان فظاعة الأمر وشناعته فتدبره فإنه دقيق.

اللطيفة السادسة: قوله تعالى: ﴿ لتبتغوا عرض الحيوة الدنيا ﴾ هذا التعليل فيه إشارة إلى تفاهة وحقارة ما صنعوا، فإن أقدس وأشرف ما يملكه الإنسان هو (العرض والشرف) فهم يقدمون هذا الشيء (النفيس) مقابل النزر (الخسيس) فيا لها من خسة ونذالة.

تفسير آيات الأحكام · الصفحة ٢٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير آيات الأحكامص ٢٧١