أقول: ومثل هذا في عصرنا أن يطرق الباب أو يقرع الجرس فهذا نوع من الاستئذان مشروع لأن الدور في عصر الصحابة لم يكن لها هذه الستور والأبواب فيكفي للقادم أن يقرع الجرس ليدل على طلبه الاستئذان والله أعلم.
الحكم الثاني: كم عدد الاستئذان؟
لم توضح الآية الكريمة عدد الاستئذان، وظاهرها يدل على أن من استأذن مرة فأجيب دخل، وإلا رجع. ولكن السنة النبوية قد بينت أن الاستئذان يكون ثلاثا، لما روي عن أبي هريرة مرفوعا: (الاستئذان ثلاث: بالأولى يستنصتون، وبالثانية يستصلحون، وبالثالثة يأذنون أو يردون).
ومما يدل على أن الاستئذان يكون ثلاثا قصة (أبي موسى الأشعري) مع عمر بن الخطاب وتفصيل القصة كما رواها البخاري ومسلم في " الصحيحين " عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (كنت جالسا في مجلس من مجالس الأنصار فجاء أبي موسى فزعا، فقلنا له ما أفزعك؟ فقال: أمرني عمر أن آتيه فأتيته، فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت فقال: ما منعك أن تأتيني؟ فقلت قد جئت فاستأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع "
فقال: لتأتيني على هذه البينة أو لأعاقبنك، فقال (أبي بن كعب) لا يقوم معك إلا أصغر القوم، قال أبو سعيد: وكنت أصغرهم فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك).
وفي بعض الأخبار أن عمر قال لأبي موسى: إني لم أتهمك ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأردت أن أثبت.
والراجح أن إكمال العدد (ثلاثا) إنما هو حق المستأذن، وأما الواجب فإنما هو مرة وذكر (أبو حيان) أنه لا يزيد على الثلاث، إلا إن تحقق أن من في البيت لم يسمع.
الحكم الثالث: ما الحكمة في إيجاب الاستئذان؟
الحكمة هي التي نبه الله تعالى عليها في قوله: ﴿ ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة ﴾ فدل بذلك على أن الذي حرم من أجله الدخول هو كون البيوت مسكونة، إذ لا يأمن من يهجم عليها بغير استئذان أن يرى عورات الناس، وما لا يحل النظر إليه، وربما كان الرجل مع امرأته في فراش واحد، فيقع نظره عليهما، وهذا بلا شك يتنافى مع الآداب الإجتماعية التي أرشد إليها الإسلام.
الحكم الرابع: هل يستأذن على المحارم؟
ومن الآداب السامية أن يستأذن الإنسان على المحارم لما روي
" أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أأستأذن على أمي؟ قال: نعم، قال: إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا، قال فاستأذن عليها ".
قال الفخر الرازي: واعلم أن ترك الاستئذان على المحارم وإن كان غير جائز، إلا أنه أيسر، لجواز النظر إلى شعرها وصدرها وساقها ونحوها من الأعضاء، والتحقيق فيه أن المنع من الهجوم على الغير إن كان لأجل أن ذلك الغير ربما كان منكشف الأعضاء فهذا دخل فيه الكل إلا (الزوجات) و (ملك اليمين). وإن كان لأجل أنه ربما كان مشتغلا بأمر يكره اطلاع الغير عليه وجب أن يعم في الكل، حتى لا يكون له أن يدخل إلا بإذن.
الحكم الخامس: هل الاستئذان والسلام واجبان على الداخل؟
ظاهر الآية الكريمة أنه لا بد قبل الدخول من (الاستئذان والسلام) معا، وعليه جمهور الفقهاء غير أنهما ليسا بمرتبة واحدة، فالاستئذان واجب والسلام مستحب، وذلك لأن الاستئذان من أجل البصر لئلا يقع نظره على عورات الناس، وقد جاء في الحديث الشريف
" إنما جعل الاستئذان من أجل النظر "
فكان واجبا. وأما السلام فهو من أجل المحبة والمودة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشو السلام بينكم "
فكان ذلك مندوبا، وقد أرشد إليه القرآن الكريم في مواطن عديدة فقال جل ثناؤه
فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة...