ب - وروى ابن جرير الطبري بسنده إلى ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: لما نزلت هذه الآية:
والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء
[النور: 4] قال سعد بن عبادة: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ لو أتيت لكاع قد تفخذها رجل، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يا معشر الأنصار أما تسمعون إلى ما يقول سيدكم "
؟ قالوا: لا تلمه يا رسول الله فإنه رجل غيور ما تزوج فينا قط إلا عذراء ولا طلق امرأة له فاجترأ رجل منا أن يتزوجها؟... قال سعد يا رسول الله: بأبي وأمي، والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق، ولكن عجبت أن لو وجدت لكاع قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء، والله لا آتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته فوالله ما لبثوا يسيرا حتى جاء (هلال بن أمية) من حديقة له، فرأى بعينيه وسمع بأذنيه... ثم ذكر قصة هلال السابقة وطريقة اللعان.
ج - وروى ابن عباس رضي الله عنهما أن (عاصم بن عدي) الأنصاري قال لأصحابه: " إن دخل رجل منا بيته فوجد رجلا على بطن امرأته، فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج وإن قتله قتل به وإن قال وجدت فلانا مع تلك المرأة ضرب، وإن سكت سكت على غيظ اللهم افتح.
.. وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له (عويمر) فأتى عويمر عاصما فقال: لقد رأيت رجلا على بطن امرأتي... " وساق الحديث.
لطائف التفسير
اللطيفة الأولى: قال الإمام (الفخر الرازي): إنما اعتبر الشرع اللعان في الزوجات دون الأجنبيات لوجهين:
أ - أنه لا معرة على الرجل في زنى الأجنبية والأولى له ستره، أما زنى الزوجة فيلحقه العار والنسب الفاسد فلا يمكنه الصبر عليه.
ب - إن الغالب المتعارف من أحوال الرجل مع امرأته أنه لا يقصدها بالقذف إلا عن حقيقة فإذا رماها فنفس الرمي يشهد بكونه صادقا إلا أن شهادة الحال ليست بكاملة فضم إليها ما يقويها من الأيمان.
اللطيفة الثانية: تخصيص (اللعنة) بجانب الرجل، وتخصيص (الغضب) بجانب المرأة، لأن الغضب أشد في العقوبة من اللعنة، والمرأة في اقترافها جريمة الزنى أسوأ من الرجل في ارتكابه جريمة القذف، لذلك أضيف الغضب إلى المرأة. ومن جهة أخرى فإن النساء كثيرا ما يستعملن اللعن فربما يجترئن على التفوه به لاعتيادهن عليه وسقوط وقعه من قلوبهن بخلاف غضب الله فتدبره.
اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ فضل الله عليكم ورحمته ﴾ فيه التفات، وهذا (الالتفات) من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطبين (عليكم)، وسر هذا الالتفات أن يستوفي مقام الامتنان حقه لأن حال الحضور أتم وأكمل من حال الغيبة، أفاده أبو السعود.
اللطيفة الرابعة: جواب (لولا) في قوله تعالى: ﴿ ولولا فضل الله ﴾ محذوف لتهويل الأمر حتى يذهب الوهم في تقديره كل مذهب فيكون أبلغ في البيان وأبعد في التهويل والإرهاب، مثل قوله تعالى:
ولو ترى إذ وقفوا على النار
[الأنعام: 27] حذف جوابه كذلك للتهويل. أي لرأيت أمرا فظيعا هائلا يشيب له الوليد ولا يستطيع أن يعبر عن هوله لسان لأنه فوق الوصف والبيان، ورب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به، ومثل هذا قول عمر: (لو غيرك قالها يا أبا عبيدة) أي لنكلت به وشددت له العقوبة، وتقديره في الآية: لولا فضل الله عليكم لهلكتم، أو لفضحكم، أو لعاجلكم بعقابه.
اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: ﴿ تواب حكيم ﴾ الرحمة تناسب التوبة فلماذا عدل عنها إلى قوله: (تواب حكيم) بدل (تواب رحيم)؟
والجواب: أن الله عز وجل حكم باللعان وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده، فلو لم يكن اللعان مشروعا لوجب على الزوج (حد القذف)، مع أن الظاهر صدقه وأنه لا يفتري عليها لاشتراكهما في الخزي والعار، ولو اكتفى بشهاداته لوجب عليها (حد الزنى) فكان من الحكمة وحسن النظر لهما جميعا أن شرع هذا الحكم ودرأ العذاب عنهما بتلك الأيمان فسبحانه ما أوسع رحمته وأجل حكمته؟