تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمثل الثّاني لنوع آخر من النّفاق، وهو النّفاق المتقلّب، تأتي على قلبه الواردات الإيمانيّةُ فيبصرها ويهتدي بها، فيسلم قلبه كما أسلم ظاهره، ﴿كلّما أضاء لهم مشوا فيه﴾ ولكنّه لا يقيم على الإيمان، فإذا أتت عليه وارداتُ الشّبهِ الباطلة، أو شهوات الهوى والنّفس، فإنّه يتنكّر لهذا النّور، فيُظلم قلبه ﴿وإذا أظلم عليهم قاموا﴾، فقلبُه متردّد بين الإيمان والكفر، لا يَقِرُّ له قرار، والله عليم بما يختم لهم، فإذا جاءه الموت وهو في حال نوره وإسلامه مات مسلماً، وإن أتاه الموت حالَ كفره ونفاقه مات كافراً منافقاً، وليس لنا إلاّ الحكم بالظّاهر وقرائن الحال الغالِبة، فالابتلاءات والمِحن تكشف النّوعين، والقسم الثّاني تكون له فتنةً وابتلاءً، فإمّا يزداد بها نوراً وإيماناً، وإمّا ينتكس بها ويخلد إلى الكفر والنّفاق، وهذا سرّ قوله تعالى: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرضٌ ما وعدنا الله ورسوله إلاّ غروراً﴾ فهما قسمان: منافقون وفي قلوبهم مرض، وهذا كذلك هو سبب تعليق الحكم عليهم على المشيئة كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿ويعذّب الله المنافقين إن شاء أو يتوبُ عليهم﴾. وهذا الكشف ومعرفة الحقائق -أي حقائق النّاس- لم تُعرف إلاّ بالجهاد في سبيل الله تعالى.

﴿من المؤمنين رجالٌ صدَقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً، ليجزي الله الصّادقين بصدقهم، ويعذّب المنافقين إن شاء أو يتوبَ عليهم إنّ الله كان غفوراً رحيماً، وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قويّاً عزيزاً، وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرّعب فريقاً تقتلون وتأسِرون فريقاً، وأورَثَكم أرضهم وديارَهم وأموالَهم وأرضاً لم تطأوها، وكان الله على كلّ شيءٍ قديرا﴾ الأحزاب 23-27.

مجموع مقالات بين منهجين · الصفحة ٣٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجموع مقالات بين منهجينص ٣٥٣