لقد تكلّم الله بهذه الآيات والكلمات، وهي كأنّها صورة كونيّة للحدث، كلمات الله تنقلنا نقلات سريعة، وكذا حدث الأحزاب، اختلطت فيه صورة المشركين ﴿جاءتكم جنود﴾..﴿جاءوكم من فوقكم﴾، وصورة مشاعر النّاس جميعاً بصورة خاطفة: ﴿وتظنّون بالله الظّنونا﴾، ولم يتكلّم الله لنا عن مشاعر الكافرين شيئاً، بل يكفي أن يقول عنهم أنّهم جنود، جنود فقط، فلم يتكلّم شيئاً إلاّ عن حركتهم الظّاهرة: ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم﴾. ثمّ شرع القرآن في وصف المؤمنين، حيث انتظرنا وصفاً مُسهباً: ﴿هنالك ابتُليَ المؤمنون وزُلزِلوا زِلزالاً شديداً﴾، لقطة سريعة، كلمات مفعمة بالبيان، وتحتاج إلى ما وراءها، ولكنّ سرعة المعركة تقتضي سرعة الوصف، وفجأة إلى المنافقين، تنتقل كلمات الله إلى المنافقين، وتتحدّث وتتحدّث، وكأنّهم في معزلٍ عن أرضِ المعركة، مشاعرهم خاصّة، وأقوالهم خاصّة، جسْمٌ غريب، يتوقّف عندهم حديث المعركة ليحكي لنا أصولهم السّابقة، ومعالمهم قبل الحدث، وكيف يعالجون الأحداث بتعليقاتهم وتحليلاتهم، ويفضح الحديث علّة حركاتهم وسكناتهم، وكأنّ المعركة ما جاءت إلاّ لهذا الأمر، وهو فضح المنافقين وكشْف عوراتهم.
مجموع مقالات بين منهجين · الصفحة ٣٤٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
مجموع مقالات بين منهجينص ٣٤٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي