تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من قرأ السّيرة النّبويّة قراءة متفحّصة، يرى فيها هذا الذي قلناه، إذ أنّه ما من معركةٍ خاضها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ وأظهرت رجالاً في مرتبة الولاية والقرب، كما وأظهرت رجالاً في مقام النّفاق والخِزي، فالجهاد هو الذي يكشف حقائق المخادعين والمتخاذلين، لأنّ بذل النّفوس هيّنة في سبيل هذا الدين لا يقوى عليه إلاّ المرتبط بهذا الدين ارتباطاً حقيقيّاً، ومن تمثّلت له الدّار الآخرة بين عينيه، يراقبها أنّى توجّه أو قال أو فعل، كما مدح الله تعالى الصّادقين من عباده بقوله: ﴿إنّا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدّار﴾ وهي في سورة ص، ذلك بعد أن تكلّم الله تعالى عن داود وسليمان وأيّوب وإبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم الصّلاة والسّلام، وذكر سبحانه وتعالى مِنَنه عليهم، جعل سبحانه وتعالى علّة هذه المِنَن، وسبب إغداقها هو أنّهم أخلصوا أنفسهم للآخرة، حبّاً وعملاً، قال مالك بن دينار: "نزعنا من قلوبهم حبّ الدّنيا وذكرها وأخلصناهم بحبّ الآخرة وذكرها"، إذ أنّ هذا الدّين لا يرفع الله به إلاّ من آمن به حقّ الإيمان، وصبر على ما يلقاه من الفتن والأهوال، ثمّ تيقّن على موعود الله تعالى وأنّه آت لا ريب فيه، كما قال تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمّة يهدون بأمرنا لمّا صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾. قال ابن تيميّة - رحمه الله تعالى - تفسيراً لهذه الآية: "بالصّبر واليقين تنال الإمامة".

ففي غزوة الأحزاب حيث جمع النّاس حشودهم، وتكاتفوا يداً واحدةً على بلدة صغيرة هي طيبة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومهاجره، واضطربت النّفوس، وزُلزِلت، ورأى النّاس الموت بأمّ أعينهم [الآيات من 9-27 من سورة الأحزاب]. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودٌ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيراً﴾ الأحزاب 9.

مجموع مقالات بين منهجين · الصفحة ٣٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجموع مقالات بين منهجينص ٣٣٩