ومن الشّعارات الّتي صارت مألوفة لدى المسلم السنّي المتخلّف، أنّ الإسلام لا حزبيّة فيه، أو أنّ الحزبيّة شرّ، ثمّ يبدأ يعدّد مضارّ الحزبيّة وشرورها، حتى يهيأ للقارئ أنّ الحزبيّة هي شرّ بذاتها ولا خير فيها، وأنّها لا تنشئ إلاّ البدعة والضّلال، وهم يظنّون أنّ التّنظيم والتّحزّب لا بدّ أن ينشئ هذه الأخطاء، ولا خروج منها إلاّ بأن يسلم الرّجل بنفسه، وينفرد بالعمل والتّفكير، مع أنّ هذه الأخطاء الّتي تنشأ في التّجمّعات، هي الّتي تكسب الإسلام وتصبغه صبغة العمليّة والموضوعيّة، فصلاة الجماعة مثلاً هي تجمّع وتحزّب، فيها أمير، وبينه وبين الأتباع عقد، وقوّة الإلزام فيه الوجوب والفريضة، حتّى أنّ التّابع يجب عليه أن يقلّد ويسير بسير القائد حتّى في ضعفه وخطئه (إلى حدٍّ بيّنه الشّارع) فلو أنّ الإمام صلى قاعداً لعجز أصابه، والمأموم قادر على أن يصلّي قائماً، وجب على المأموم أن يصلّي جالساً، ولو أنّ الإمام لم يجلس الجلسة الوسطى وتركها فعلى المأموم وجوباً أن يتابعه ولا يتخلّف عنه، وهي أمور لو فعلها المرء منفرداً لكان مقصّراً آثماً وربّما تبطل عمله، فلو صلّى المرء منفرداً وصلّى جالساً وهو قادر على القيام في صلاة الفريضة فإنّ صلاته عند جمع من الأئمّة حكمها البطلان لتركه ركناً من أركانها، كذلك هو آثم لو ترك الجلوس الأوسط في الصّلاة الرّباعيّة والثّلاثيّة على الصّحيح، ولكنّ وجود المصلّي في جماعة غيّر الحكم، وأوجد فقهاً جديداً، ولم يقل أحد من العقلاء أنّه بسبب هذا الفقه الجديد الّذي أحدثته الجماعة في صلاتها يجعل صلاة الجماعة شرّاً وأنّ الصّلاة المنفردة هي الأفضل والأولى، بل بقيت صلاة الجماعة واجبة من واجبات الشّريعة، وشعيرة من شعائرها الظّاهرة.
وقد يجد المرء في نفسه قوّة وهو منفرد بدون جماعة وهو وهم وظنّ وتلبيس شيطانيّ لأنّ الشّيطان كالذّئب يأكل من الغنم القاصية.