تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)

تقدم مثل هاتين الآيتين في سورة البقرة غير أن بين الموضعين فروقا:

(1) إنه قال هنا: اسكنوا القرية، وفي سورة البقرة: «ادْخُلُوا» والفائدة هنا أتم، لأن السكنى تستلزم الدخول دون العكس.

(2) إنه قال هنا: (وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ) وفي سورة البقرة، «فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً»، فجاء العطف هناك بالفاء لأن بدء الأكل يكون عقب الدخول كأكل الثمرات والفواكه التي تكون في كل ناحية من القرية - أما السكنى فأمر ممتد يكون الأكل في أثنائه لا عقبه، كما وصف هناك الأكل بالرغد وهو: الواسع الهنيء لأن الأكل في أول الدخول يكون ألذ وبعد السكنى والإقامة لا يكون كذلك.

(3) إنه قال هنا: (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً) وقدم هنا ما أخر هناك وأخر ما قدمه، والواو لا تدل على طلب ترتيب بين الأمرين، فالاختلاف في التعبير دالّ على عدم الفرق بين تقديم هذا وتأخير ذاك وبين عكسه، إذ لا فارق بين أن يدعوا بقولهم: (حِطَّةٌ) أي حط عنا أوزارنا وخطايانا الذي هو بمعنى قولنا اللهم غفرا - في حال التلبس بالتواضع والخضوع وتنكيس الرءوس شكرا لله على نعمه عند دخول القرية، وبين أن يبدءوا بتنكيس الرءوس والخضوع والتواضع ثم يدعوا بقولهم (حِطَّةٌ).

(4) إنه قال هنا: (سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) بدون واو، وهناك: «وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ» بالعطف والمعنى واحد وترك الواو أدل على أن الزيادة تفضل من الله ليست مشاركة للمغفرة فيما جعل سببا لها من الخضوع والسجود والاستغفار والدعاء بحط الأوزار.

(5) إنه قال هاهنا (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ): فزيد منهم على مثله في سورة البقرة.

ومعنى تبديلهم قولا غير الذي قيل لهم: أنهم عصوا بالقول والفعل وخالفوا الأمر مخالفة تامة لا تحتمل اجتهادا ولا تأويلا فلم يراعوا ظاهر مدلول اللفظ ولا الفحوى والمقصود منه، حتى كأن المطلوب منه غير الذي قيل لهم.

وما روى في الإسرائيليات من هذا التبديل من الألفاظ العبرانية أو العربية - فلا ثقة به، وإن خرّج بعضه في الصحيح والسنن موقوفا ومرفوعا كحديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما -

قيل لبني إسرائيل: (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم وقالوا: (حِطَّةٌ) حبة في شعيرة، إذ هو مروى من طريق هماّم بن منبّه أخى وهب وهما صاحبا الغرائب في الإسرائيليات، وأبو هريرة لم يصرح بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أنه سمعه من كعب الأحبار إذ ثبت أنه روى عنه.

(6) إنه قال هنا: (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ) وقال هناك «فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ» فالاختلاف بين الإنزال والإرسال وهو خلاف لفظى، وبين عليهم وعلى الذين ظلموا، وبين يظلمون ويفسقون، وفائدته بيان أنهم كانوا يجمعون بين الظلم الذي هو نقص للحق أو إيذاء للنفس أو للغير، والفسق الذي هو الخروج عن الطاعة، والرجز كما تقدم العذاب الذي تضطرب له القلوب أو يضطرب له الناس في شئونهم ومعايشهم.

والعبرة في هذا القصص أن نعلم أن الله يعاقب الأمم على ذنوبها في الدنيا قبل أن يعذبها في الآخرة، وأن نبتعد بقدر الطاقة عن الظلم والفسق، فقد عاقب الله بني إسرائيل بظلمهم ولم يحل دون عقابه ما كان لهم من فضائل ومزايا ككثرة الأنبياء فيهم وتفضيلهم على العالمين كما تقدم.

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي) · الصفحة ٣٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي)ص ٣٤٤